أغلقت النيابة العامة في إسطنبول ملف التحقيق الذي أُثير حول مزاعم التخطيط لاغتيال رجل الأعمال عزيز إحسان أقطاش، وهو أحد المتهمين في القضية المعروفة إعلامياً بملف بلدية إسطنبول الكبرى، بعد أن خلصت إلى عدم وجود أدلة كافية تبرر إحالة القضية إلى القضاء.
وجاء قرار النيابة بعد أشهر من الجدل الإعلامي والسياسي الذي أثارته تقارير نشرتها صحيفة “صباح” المقربة من الحكومة التركية، والتي ادعت وجود مخطط لإسكات أقطاش ومنعه من الإدلاء بشهادات أو تقديم معلومات قد تؤثر على مجريات القضية الجارية ضد عدد من الشخصيات المرتبطة ببلدية إسطنبول الكبرى.
وبحسب قرار “عدم وجود محل للملاحقة القضائية”، فإن التحقيقات لم تتوصل إلى أي معطيات ملموسة أو أدلة قانونية تثبت وقوع جريمة تهديد أو التحضير لاعتداء ضد أقطاش، الأمر الذي أدى إلى إغلاق الملف رسمياً.
خلفية القضية: اتهامات واسعة وأسماء بارزة
بدأت القضية إثر مزاعم تحدثت عن وجود مخطط لاستهداف عزيز إحسان أقطاش، الذي يواجه بدوره اتهامات في إطار لائحة اتهام تصفه بأنه “زعيم منظمة إجرامية”.
وشمل التحقيق مجموعة من الأسماء المعروفة في الأوساط السياسية والقانونية والاقتصادية التركية، من بينهم رئيس نادي بلدية إسطنول الرياضية فاتح كيليش، ورجل الأعمال تورغوت أونَر، وصلاح الدين يلماز المعروف بقربه من زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، والمحامي جَم دومان.
كما ضمت التحقيقات عدداً آخر من المشتبه بهم، ليصل إجمالي الأسماء الواردة في الملف إلى أحد عشر شخصاً.
ما الذي توصلت إليه النيابة؟
أظهرت وثائق القرار الصادر عن مكتب تحقيقات الجريمة المنظمة التابع للنيابة العامة في إسطنبول أن الادعاءات الرئيسية ركزت على اتهام كل من فاتح كيليش وإرسان غولماز بممارسة ضغوط أو تهديدات ضد عزيز إحسان أقطاش.
غير أن التحقيقات، التي شملت عمليات بحث وتحريات وجمع إفادات ومعطيات مختلفة، لم تسفر عن أي دليل يؤكد صحة تلك المزاعم.
وأكدت النيابة في حيثيات قرارها أنها لم تتمكن من التوصل إلى أي واقعة مثبتة تشير إلى أن كيليش أو غولماز قاما بتهديد أقطاش، كما لم يُعثر على أدلة قطعية أو موضوعية أو يقينية تثبت ارتكابهما جريمة “التهديد”.
وشدد القرار على أن المعايير القانونية اللازمة لتحريك الدعوى الجنائية لم تتحقق، وأن الملف يفتقر إلى الأدلة التي تتجاوز حدود الشبهات أو الادعاءات غير المدعومة بإثباتات مادية.
كيف بدأت رواية «إسكات أقطاش»؟
تعود جذور القضية إلى حملة إعلامية أثارتها صحيفة “صباح” المملوكة لصهر أردوغان، التي نشرت تقارير ادعت فيها أن فاتح كيليش حاول إرسال رسالة إلى صلاح الدين يلماز بهدف “إسكات” عزيز إحسان أقطاش.
ووفقاً للرواية التي تداولتها الصحيفة آنذاك، فإن كيليش نقل تعليماته عبر محاميه خلال لقاء داخل السجن، حيث زُعم أن الرسالة وصلت إلى المحامي جَم دومان، وهو محامي صلاح الدين يلماز.
وأضافت التقارير أن دومان عقد لاحقاً اجتماعاً مع يلماز وأبلغه بالمضمون المنسوب إلى كيليش، وهو ما اعتُبر في حينه مؤشراً على وجود مخطط للضغط على أقطاش أو منعه من الإدلاء بأقواله.
لكن التحقيق الرسمي الذي أعقب تلك الادعاءات لم يتمكن من إثبات صحة هذه الرواية أو تأكيد وقوع أي تنسيق أو تحريض أو تهديد ذي صلة بها.
اعتقالات سابقة غذّت الجدل
تزامنت هذه المزاعم مع عملية أمنية شهدت توقيف أربعة عشر شخصاً، بينهم صلاح الدين يلماز، على خلفية اتهامات تتعلق بالانتماء إلى منظمة إجرامية مسلحة.
وقد أسهمت تلك الاعتقالات في توسيع دائرة الاهتمام بالقضية، ودفعت جهات إعلامية وسياسية إلى ربطها بملفات أخرى تتعلق ببلدية إسطنبول الكبرى والصراع السياسي المتصاعد بين الحكومة والمعارضة.
غير أن قرار النيابة الأخير أعاد الملف إلى إطاره القانوني، مؤكداً أن الاتهامات المتعلقة بالتهديد أو التخطيط لاستهداف أقطاش لم تستند إلى أدلة كافية تسمح بمواصلة الإجراءات القضائية.
دلالات القرار في السياق السياسي والقضائي
يأتي إغلاق الملف في مرحلة تشهد فيها تركيا جدلاً واسعاً حول القضايا المرتبطة ببلدية إسطنبول الكبرى والتحقيقات الجارية ضد شخصيات محسوبة على المعارضة.
ويرى مراقبون أن القرار يعكس أهمية التمييز بين الادعاءات المتداولة في وسائل الإعلام وبين المعايير القضائية المطلوبة لإثبات الاتهامات أمام القضاء، خاصة في القضايا ذات الحساسية السياسية المرتفعة.
كما يعيد القرار تسليط الضوء على الجدل المستمر بشأن دور بعض وسائل الإعلام المقربة من السلطة في تناول الملفات القضائية قبل استكمال التحقيقات أو صدور الأحكام النهائية.
خلاصة
أغلقت النيابة العامة في إسطنبول التحقيق الخاص بمزاعم التخطيط لاغتيال أو تهديد رجل الأعمال عزيز إحسان أقطاش، بعدما فشلت التحقيقات في العثور على أدلة ملموسة تثبت الاتهامات الموجهة إلى فاتح كيليش وآخرين.
ويُعد القرار ضربة للرواية الإعلامية التي روجت لوجود مخطط لإسكات أقطاش، في وقت تستمر فيه القضايا المرتبطة ببلدية إسطنبول الكبرى في إثارة نقاش سياسي وقانوني واسع داخل تركيا.

