تناول الكاتب والباحث الإسلامي التركي أحمد كوروجان في قراءة تحليلية نقدية ما اعتبره تحولاً خطيراً في تعامل المؤسسة الدينية الرسمية في تركيا (ديانت) مع النص القرآني، مسلطاً الضوء على خطبة الجمعة المؤرخة في السابع أغسطس ٢٠٢٦. يرى الباحث أن إقحام مصطلح “الدولة” في ترجمة وتفسير آية قرآنية لا يحتمل سياقها هذا المعنى المعاصر يمثل ذروة التسييس للخطاب الديني.
انزياح المعنى من “الريح” إلى “الدولة”
يتوقف أحمد كوروجان عند الآية السادسة والأربعين من سورة الأنفال: “وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ”، ملاحظاً أن رئاسة الشؤون الدينية أضافت كلمة “الدولة” صراحة عند ترجمة “تذهب ريحكم” لتصبح “تذهب دولتكم”. يوضح الباحث أن كلمة “الريح” في أصلها اللغوي تعني الريح المعروفة، لكنها استُخدمت هنا مجازاً لتدل على القوة، والمنعة، والهيبة، والتأثير، والقدرة على الردع. ويؤكد أن الفشل (فشِلوا) يعني الوهن وفقدان الشجاعة والمقاومة، مما يؤدي بالضرورة إلى تلاشي الهيبة والقوة المعنوية والمادية للمسلمين.
فخ المصطلح: بين “الدولة” التراثية والدولة القومية المعاصرة
يشير أحمد كوروجان إلى أن بعض التفاسير الكلاسيكية قد استخدمت كلمة “دولة” (بمعنى الغلبة أو النصر) عند شرح “الريح”، إلا أن هناك فرقاً جوهرياً وجذرياً بين مفهوم “الدولة” في الأدبيات القديمة، التي كانت تعني تحول النصر من طرف إلى آخر أو الهيمنة، وبين مفهوم “الدولة” في العصر الحديث. الدولة اليوم تعني كياناً سياسياً ومؤسساتياً محدداً بحدود وبيروقراطية ودستور، وهو ما لم يكن مقصوداً في النص القرآني. ويرى الباحث أن هذا الخلط المتعمد في الخطبة يهدف إلى إسقاط هيبة “الكيان السياسي الحالي” على النص المقدس، مما يجعل القارئ أو المستمع العادي يربط بين بقاء السلطة الحالية وبين مراد الله في الآية.
السياق التاريخي: دروس “بدر” التي غُيبت
يحلل أحمد كوروجان سياق نزول الآية، مشيراً إلى أنها نزلت في أعقاب غزوة بدر، حيث ركزت سورة الأنفال على الانضباط العسكري، والوحدة الميدانية، والصبر عند لقاء العدو. الآية كانت تخاطب المقاتلين في ساحة المعركة، تحذرهم من أن الخلافات الداخلية ستؤدي إلى انهيار الروح المعنوية وتفكك الصف، مما يُذهب قوتهم الضاربة. إن نقل هذا السياق الحربي الميداني إلى سياق سياسي معاصر يتحدث عن “الوطن الجنة” و”طوق النار” الذي يحيط بالدولة، هو برأي الباحث إعادة بناء للتاريخ بمفاهيم سياسية راهنة لخدمة أغراض آنية.
نقد “الثيولوجيا السياسية” وتحويل الدين إلى أداة
يطرح أحمد كوروجان تساؤلاً جوهرياً حول وظيفة الدين: هل وجد الدين ليمنح الشرعية للدولة، أم أن الدولة هي وسيلة لتحقيق قيم العدل والحق والكرامة التي جاء بها الدين؟ يرى الباحث أن القرآن الكريم لا يقدس “الدولة” ككيان بذاته، بل يقدس قيم العدالة والأمانة ورفع الظلم. ويرى أن الخطاب الديني الحالي في تركيا يعكس “ثيولوجيا سياسية” تحاول حشد الجماهير حول الدولة بوصفها غاية، محذراً من أن هذا المسار يحول الدين من مرشد ومنتقد للسلطة إلى أداة تبريرية في يدها.
التسييس غير المسبوق للمؤسسة الدينية
ينتقد أحمد كوروجان بشدة الحالة التي وصلت إليها رئاسة الشؤون الدينية (ديانت)، معتبراً أنها تعيش فترة تسييس غير مسبوقة في تاريخ الجمهورية، خاصة في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية. ويرى أن المؤسسة تحولت إلى بوق يعيد إنتاج لغة السلطة السياسية بصبغة دينية، لدرجة أن المنابر أصبحت منصات للدعاية السياسية بدلاً من أن تكون مكاناً لوعظ الناس وتنويرهم بالحقائق الدينية المجردة. ويشير الباحث بمرارة إلى أن أولئك الذين كانوا يصفون الدولة قديماً بـ”الطاغوت”، هم أنفسهم اليوم من يسعون لإضفاء قدسية دينية مطلقة عليها.
عواقب المتاجرة بالمقدس في سبيل السلطة
يختم أحمد كوروجان تحليله بتوجيه تحذير أخلاقي وديني لمسؤولي المؤسسة الدينية، مؤكداً أن الأنظمة السياسية والسياسات متغيرة وزائلة، بينما يبقى القرآن والمنبر والمحراب ثوابت لا يجوز المساس بها. ويشدد على أن استخدام كلام الله لتثبيت دعائم السلطة هو مقامرة بالدين من أجل الدنيا، وتفريط في الآخرة من أجل مكاسب سياسية عابرة. ويرى أن فقدان المؤسسة الدينية لاستقلالها الأخلاقي وقدرتها على قول “لا” للظلم أو الخطأ، يسقط هيبتها ومصداقيتها أمام المجتمع، وهو ما قد يكون قد حدث بالفعل.

