تعد “اتفاقية مكة للأمن المشترك”، التي أُعلن عنها في السابع من أغسطس، نقطة تحول استراتيجي في الجغرافيا السياسية لمنطقة الشرق الأوسط، حيث جمعت بين ثلاث قوى إقليمية وازنة هي المملكة العربية السعودية، وجمهورية باكستان الإسلامية، والجمهورية التركية. ويرى المحلل السياسي التركي، البروفسور سدات لاتشينر، أن هذا التحالف يمثل استجابة لواقع أمني متقلب، متجاوزاً في رمزيته وتوقيته الأطر التقليدية للدبلوماسية الإقليمية.
الدلالات الرمزية والسياسية للمكان والزمان
يشير البروفسور لاتشينر إلى أن اختيار مدينة مكة المكرمة لتوقيع الاتفاقية يحمل أبعاداً رمزية عميقة، إذ جرت العادة أن تُبرم السعودية اتفاقاتها السياسية في الرياض، أو التجارية في جدة، بينما بقيت مكة والمدينة بعيدتين عن التجاذبات السياسية والعسكرية للحفاظ على قدسيتهما. ويوضح لاتشينر أن توقيع اتفاقية دفاعية في مكة، وبعد أداء قادة الدول الثلاث (الرئيس رجب طيب أردوغان، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء شهباز شريف) صلاة الجمعة جنباً إلى جنب في المسجد الحرام، يعطي الاتفاق صبغة شرعية وقوة معنوية هائلة أمام الرأي العام الإسلامي، وينقل مكة إلى قلب العلاقات الدولية الحديثة.
جوهر الاتفاق: مبدأ “الكل من أجل الواحد”
تتضمن الاتفاقية بنوداً جريئة تحاكي المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حيث تنص على تعزيز الردع الجماعي ضد أي عدوان. وبحسب قراءة لاتشينر، فإن الاتفاق يقضي بأن أي هجوم مسلح يستهدف إحدى الدول الموقعة يُعد هجوماً على الجميع. ويصف لاتشينر هذا الالتزام بأنه “تعهد شجاع وجسور” يضع تركيا وباكستان في قلب التحديات الأمنية التي تواجهها السعودية، خاصة في ظل التهديدات المباشرة التي تتعرض لها المنشآت النفطية والممرات المائية السعودية من قبل الجماعات الموالية لإيران في اليمن والعراق.
كواليس المفاوضات والانسحاب المصري المفاجئ
يكشف البروفسور سدات لاتشينر أن هذا التحالف لم يكن وليد اللحظة، بل سبقه عمل دؤوب استمر لنحو عام، وكان من المفترض أن يضم مصر لتصبح اتفاقية رباعية. وقد احتضنت مدن الرياض وإسلام آباد وأنطاليا والقاهرة اجتماعات لوزراء الخارجية لتطوير الإطار التعاوني. ومع ذلك، انسحبت مصر في اللحظات الأخيرة، وهو ما يعزوه لاتشينر إلى مخاوف القاهرة من الانجرار إلى صراعات مباشرة، خاصة بعد الهجمات بطائرات مسيرة التي استهدفت ميناء دمياط المصري، والتي اعتبرت رسالة تحذيرية لإثناء مصر عن الانضمام للحلف، مما جعل القيادة المصرية تخشى على سلامة قناة السويس، شريان حياتها الاقتصادي.
الدوافع الأمنية والمخاوف من التمدد الإيراني
يرى لاتشينر أن المحرك الأساسي لهذا التحالف هو القلق المشترك من السياسات التوسعية الإيرانية واستخدامها للوكلاء لزعزعة استقرار المنطقة. ويشرح المحلل التركي كيف أن إيران، عبر تاريخها منذ عام ١٩٧٩، سعت لتصدير ثورتها والتدخل في شؤون جيرانها، مما خلق حالة من عدم الثقة المزمنة لدى دول الخليج وباكستان. كما يشير إلى أن التوترات الحدودية بين إيران وباكستان في بلوشستان، والاشتباكات الصاروخية المتبادلة، عززت من قناعة إسلام آباد بضرورة وجود ظهير دفاعي قوي. ويضيف لاتشينر أن نجاح عملية إزاحة النفوذ الإيراني من سوريا في عام ٢٠٢٤ كان بمثابة نموذج يمكن تكراره لحماية سيادة الدول الأخرى من الهيمنة الإيرانية.
آفاق التعاون العسكري والصناعي
بعيداً عن النصوص الرسمية، يتوقع البروفسور لاتشينر أن تترجم الاتفاقية إلى تعاون عسكري تقني وميداني وثيق، يشمل تعزيز التعاون في مجال الصناعات الدفاعية بين الدول الثلاث، مع التركيز على نقل التقنية وتطوير القدرات الذاتية، وزيادة التواجد العسكري الباكستاني في السعودية، حيث قد يعمل الخبراء والطيارون الباكستانيون تحت القيادة السعودية وبزيها العسكري لتجنب الحساسيات السياسية الدولية، وإيجاد آلية للتنسيق في ملفات إقليمية ساخنة مثل العراق، الذي يمر بحالة غليان أمني ومحاولات لتفكيك الميليشيات الموالية لطهران، واليمن، وسوريا,.
التحديات والواقعية السياسية
رغم الزخم الذي أحدثه “حلف مكة”، ينبه لاتشينر إلى أن الطريق لا يزال طويلاً لاعتباره “ناتو إسلامياً” مكتملاً؛ فالاتفاقية حتى الآن تفتقر إلى تعريف محدد للعدو، ولم توضح الآليات التلقائية للرد العسكري أو تفاصيل القواعد العسكرية المشتركة. ويرى أن الاتفاق يمثل “نواة لحلف دفاعي” قيد التشكيل، يهدف في مرحلته الأولى إلى بث الطمأنينة في نفوس الحلفاء وتوجيه رسالة ردع قوية للخصوم، محاولاً تجنب مصير أحلاف سابقة مثل حلف بغداد أو “سنتو” التي لم تصمد طويلاً أمام التغيرات السياسية.
خلاصة
يختتم البروفسور سدات لاتشينر قراءته بالتأكيد على أن تركيا انتقلت من دور الوسيط إلى دور الحليف المباشر، مما يدخلها في “حقل ألغام” السياسة الشرق أوسطية بشكل أعمق. ومع أن الاتفاقية تهدف في المقام الأول إلى الاستقرار ومنع نشوب حرب شاملة، إلا أن نجاحها يعتمد على مدى الالتزام الفعلي للدول الثلاث بتنفيذ بنود الدفاع المشترك في مواجهة التحديات الميدانية المتصاعدة، خاصة في ظل سعي بعض الأطراف الإقليمية لتصعيد الصراع ليشمل الممرات المائية الحيوية ومنشآت الطاقة.

