شهدت إحدى زنزانات سجن سيليفري بولاية إسطنبول، في الفترة الممتدة بين الحادي عشر والثالث عشر من نوفمبر عام 2011، تواجد ثلاثة معتقلين رئيسيين هم المسؤول السابق في جهاز الاستخبارات الوطنية التركية (MİT) كاشف كوزين أوغلو، والضابطان المتقاعدان حسن أتيلا أوغور وحسن أتامان يلدريم. وفي الثالث عشر من نوفمبر 2011، أُعلنت وفاة كوزين أوغلو -الذي كان مرشحاً لقيادة جهاز الاستخبارات وخلفاً لشنكال أطاساغون وأمره طانر- داخل الزنزانة في ظروف غامضة.
تناقض الشهادات الطبية وخرق لوائح السجن الإجرائية
كشفت المقابلة التي أجراها طبيب سجن سيليفري في ذلك الوقت، إرجين أيدين، بعد مرور خمسة عشر عاماً، عن تفاصيل إجرائية غير مألوفة رافقت اليوم الذي سبق الوفاة. وفقاً لشهادة الطبيب أيدين، فإن دخوله المباشر إلى زنزانة المعتقلين يوم الجمعة 11 نوفمبر 2011 جاء بناءً على طلب خطي مفصل تقدم به المعتقل حسن أتيلا أوغور يزعم فيه تعرضه لأزمة قلبية حادة. وتشير القواعد التنظيمية المعمول بها في السجون التركية إلى أن الأطباء لا يدخلون الزنزانات إطلاقاً في الحالات الاعتيادية، بل يتم نقل المريض عبر الحراس إلى العيادة الطبية (الريفير)، ولا يُسمح بالدخول المباشر إلا في الحالات الاستثنائية القصوى.
يرى المحلل السياسي التركي أمره أوسلو أن كتابة طلب خطي مطول ومفصل من شخص يُفترض أنه يعاني من نوبة قلبية حادة يمثل تناقضاً كبيراً. ويحلل أمره أوسلو هذا التصرف بأنه ثغرة إجرائية متعمدة واستغلال للمعرفة باللوائح السجنية؛ وذلك لإدخال طبيب أو أشخاص من الخارج إلى داخل الزنزانة بدلاً من العيادة التي تخضع لرقابة واكتظاظ يصعب معهما إدخال أي مواد مشبوهة. كما شهدت الحادثة دخول فريق طبي تابع لسيارة إسعاف خارجية إلى الزنزانة لإجراء تخطيط قلب محمول للمعتقل أوغور، وهو إجراء ينتهك البروتوكول الطبي المعمول به والذي يفرض نقل المريض فوراً إلى المستشفى في حال استدعاء سيارة إسعاف خارجية. بالإضافة إلى ذلك، توضح الشهادات غياب أطباء السجن المباشرين خلال عطلة نهاية الأسبوع، وأنه فور وقوع الوفاة، وصل مسؤولون من العاصمة أنقرة واقتادوا الطبيب إلى غرفة تحقيق مزودة بكاميرات وملفات ضخمة.
الأدلة المصورة وتحليل تسلسل الأفعال الجنائية داخل الزنزانة
أظهرت التسجيلات المصورة المسربة قبل يومين من كاميرات المراقبة الخاصة بالسجن يوم 11 نوفمبر 2011 تفاصيل تتعارض مع الروايات المعتمدة حول حالة المعتقلين الصحية. فبينما ادعى المعتقلان أن حسن أتيلا أوغور كان يصارع الموت ليلة الحادثة وأن كوزين أوغلو ظل ساهراً لمراقبته، أظهرت اللقطات المصورة أوغور وهو يتحرك بنشاط في المساحة المشتركة للزنزانة، ويقوم بإطفاء الأنوار والتوجه إلى الزاوية الميتة عن نطاق الكاميرا في منطقة الحمام وهو يحمل جسماً أبيض.
عقب ذلك، ظهر المعتقل حسن أتامان يلدريم ليأخذ الجسم الأبيض نفسه من غرفة أوغور. وبعد إعادة تشغيل أضواء الزنزانة، شوهد أوغور وهو يقوم بإعداد القهوة، ليقوم كوزين أوغلو بعدها بالصعود لشرب القهوة قبل أن يتدهور وضعه الصحي وتوافيه المنية. وأعقب ذلك دخول المعتقلين إلى غرفة كوزين أوغلو بعد وفاته وخروجهما وبحوزتهما شيء أُخفي خلف ظهريهما، مع القيام بغسل كوب القهوة فوراً وبشكل عاجل. وعند استجوابهما حول سبب غسل الكوب وتناقض ذلك مع تصريحات يلدريم السابقة قبل سبع سنوات التي شدد فيها على أن كوزين أوغلو لم يشرب قهوته وأن الكوب كان مليئاً، ادعى المعتقلان عدم التذكر.
ويرجح المحلل السياسي أمره أوسلو، بناءً على هذه المعطيات المصورة، احتمال استخدام مادة سمية كيميائية متطورة لا تترك أثراً كيميائياً واضحاً (على غرار سموم “نوفيتشوك” المستعملة في الاغتيالات الاستخباراتية)، مشيراً إلى أن المتهمين الرئيسيَين في هذه العملية هما حسن أتيلا أوغور وحسن أتامان يلدريم. كما يشير أمره أوسلو إلى أن الممتلكات والوثائق الخاصة بكوزين أوغلو نُقلت إلى مكتب “يارسوفات” للمحاماة حيث جرى تغييبها وإخفاؤها، علما أن هذا المكتب كان ينتمي إلى التيار “الأوراسي”، الذي ينتمي إليه كل من حسن أتيلا أوغور وحسن أتامان يلدريم.
المسار القضائي وتقارير الطب الشرعي والمساومات السياسية
في عام 2011 تعطلت المسارات القضائية في قضية مقتل كوزين أوغلو بناءً على التقرير الصادر عن معهد الطب الشرعي، والذي جزم بأن الوفاة ناتجة عن سكتة قلبية طبيعية. وأدى هذا التقرير إلى إغلاق كافة الاحتمالات الجنائية أمام القضاة والمدعين العامين في ذلك الوقت. وتشير الوقائع إلى أن المدعين العامين الذين حاولوا التحقيق مع حسن أتيلا أوغور وحسن أتامان يلدريم في عام 2011 جرى استبعادهم وفصلهم من الوظيفة بتهم الانتماء لـ “حركة الخدمة”، دون أن تُتاح لهم فرصة توجيه تهمة القتل العمد إليهما.
في التطورات الأخيرة، شكلت وزارة العدل التركية “لجنة التحقيق في القضايا المسجلة ضد مجهول”، متضمنة قضاة ومدعين عامين لبحث نحو 600 ملف لوفيات واختفاءات غامضة في التاريخ الحديث، متخذة معايير أعلنها مسؤولو الوزارة للنبش عن الجثامين وإعادة فحصها مهما بلغت أطراف القضية. وعلى الرغم من إلقاء القبض على حسن أتيلا أوغور وحسن أتامان يلدريم في الأسبوع الماضي بتهمة القتل العمد، إلا أنه تم الإفراج عنهما تحت شرط الترخيص القضائي والإقامة الجبرية بدعوى كبر السن والمرض، رغم إظهارهما لياقة بدنية عالية في تسجيلات المراقبة.
ويصنف المحلل السياسي التركي أمره أوسلو قرار الإفراج بالإقامة الجبرية بأنه دليل على وجود مساومة سياسية، وبعبارته “صفقة المساومة على الجثث”، بين أجنحة السلطة والشبكات العميقة، مؤكداً أن تسريب تسجيلات المراقبة المحفوظة لدى وزارة العدل وإدارة السجون بعد 15 عاماً لم يكن بهدف إحقاق العدالة الفردية، بل لاستخدام الملف كأداة ضغط سياسي وتصفية حسابات أو فرض شروط تفاوضية بين الأطراف المتصارعة.
التفكيك التحليلي للصراع الداخلي والدولة العميقة
يقدم المحلل السياسي أمره أوسلو قراءة تفكيكية للمقولات السائدة حول القضية، داحضاً ادعاء أن حركة كولن هي من تقف خلف تصفية كوزين أوغلو بسبب رسالة المسؤول الاستخباراتي أنفر ألتايلي عام 2008. ويستند أمره أوسلو في دحضه إلى حقيقة إجرائية وميدانية تمثلت في أنه عند تعيين هاكان فيدان رئيساً لجهاز الاستخبارات الوطنية (MİT) عام 2010، جرى ترفيع كاشف كوزين أوغلو وتكليفه برئاسة دائرة العمليات الخارجية وتولي مسؤولية ملف آسيا الوسطى كاملاً، مما ينفي فرضية تحجيمه أو استهدافه من قبل التعيينات الجديدة.
ويرى أمره أوسلو أن الجريمة تعود إلى صراع مصالح وأجنحة داخلية حادة بين الفصائل الاستخباراتية غير الخاضعة للقانون؛ وتحديداً بين جناح استخبارات الجندرمة (JİTEM) الممثل بشخصيات مثل فيلي كوتشوك وشينار إرويغور وحسن أتيلا أوغور المرتبطين مجموعات تنظيم أرغينكون (الدولة العميقة)، وبين جناح الاستخبارات الوطنية (MİT) الذي كان يمثله كوزين أوغلو.
ويخلص أمره أوسلو إلى أن هذه الحادثة تكشف طبيعة بنية “النواة الصلبة” للدولة العميقة في تركيا التي تسيطر عليها استخبارات موازية تتصارع فيما بينها خارج نطاق الدستور. ويعتبر أمره أوسلو أن الاحتفاظ بتسجيلات السجن ومنع نشرها طوال السنوات الماضية من قبل السلطة الحاكمة، بالتزامن مع التكتم على أسرار لقاء دولما باهتشة (2007) بين أردوغان ورئيس الأركان العامة في ذلك الوقت ياشار بويوك أنيت، يوضح أن الملفات القضائية تُفتح وتُغلق بناءً على تقاطعات المصالح والتوازنات السياسية بين قادة السلطة وشبكات تنظيم أرغنيكون.

