عاد ملف مقاتلات إف-35 إلى واجهة النقاش السياسي في تركيا، بعد موافقة وزارة الخارجية الأمريكية على صفقة محتملة لبيع المملكة العربية السعودية 48 مقاتلة من طراز إف-35 بقيمة تقديرية تبلغ 24.3 مليار دولار، في خطوة من شأنها، إذا اكتملت، أن تعيد رسم بعض ملامح التوازن العسكري في الشرق الأوسط. ولا تزال الصفقة بحاجة إلى استكمال الإجراءات الأمريكية، بما في ذلك مسار الإخطار والمراجعة في الكونغرس.
غير أن التطور لم يُقرأ في أنقرة باعتباره صفقة أمريكية-سعودية فحسب. فقد أعاد إلى الواجهة سؤالاً تركياً قديماً: ماذا حدث للمقاتلات التي كانت تركيا جزءاً من برنامج تطويرها وإنتاجها، ودفعت مليارات الدولارات للمشاركة فيها؟
هذا السؤال طرحه مجدداً فاتح أربكان، رئيس حزب «الرفاه الجديد» المعارض، الذي تساءل عبر منصة «إكس» عن مصير مقاتلات إف-35 التي قال إن تركيا دفعت مستحقاتها مسبقاً وكانت شريكاً في البرنامج. وأشار إلى استمرار غياب اتفاق نهائي أو جدول زمني واضح أو ضمانات قانونية تحدد كيفية تسوية الملف.
لكن خلف هذا السجال السياسي المباشر توجد قضية أكثر تعقيداً تتجاوز مصير الطائرات نفسها. إنها تتعلق بمستقبل العلاقة الدفاعية بين أنقرة وواشنطن، وبقدرة الطرفين على فصل الملفات الخلافية عن الشراكة الأوسع داخل حلف شمال الأطلسي.
من شريك في المشروع إلى خارج البرنامج
لم تكن تركيا مجرد دولة تسعى إلى شراء إف-35 من الولايات المتحدة. فقد كانت شريكاً في برنامج الطائرة، وشاركت شركاتها الدفاعية في سلسلة التوريد والإنتاج، فيما كانت تخطط لاقتناء مقاتلات من هذا الطراز لسلاحها الجوي.
لكن المعادلة تغيرت جذرياً بعد شراء تركيا منظومة الدفاع الجوي الروسية إس-400.
في يوليو/تموز 2019، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية بدء عملية «فك ارتباط» تركيا ببرنامج إف-35، مؤكدة أن واشنطن تعتبر تشغيل إس-400 بالقرب من منظومة إف-35 غير متوافق مع متطلبات حماية التكنولوجيا والقدرات الشبحية للطائرة. وكانت الولايات المتحدة قد حذرت أنقرة قبل ذلك من أن امتلاك المنظومتين معاً يمكن أن يتيح جمع معلومات حساسة حول قدرات إف-35.
وبالنسبة إلى واشنطن، لم تكن القضية مجرد خلاف سياسي حول نوع منظومة دفاع جوي تشتريها دولة عضو في الناتو، وإنما مسألة مرتبطة بأمن منظومة إف-35 نفسها وبالتوافق العسكري داخل الحلف.
أما أنقرة، فتمسكت بحقها في اتخاذ قراراتها المتعلقة بالدفاع الجوي، ورفضت الربط الذي أقامته واشنطن بين إس-400 وإف-35.
وهكذا تحول الخلاف تدريجياً من ملف تسليح إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقة التركية-الأمريكية.
1.4 مليار دولار والسؤال المالي المؤجل
يحمل الملف أيضاً بعداً مالياً لا يقل أهمية عن البعد العسكري.
فقد أكدت الحكومة التركية في مناسبات سابقة أن أنقرة دفعت نحو 1.4 مليار دولار في إطار مشاركتها في برنامج إف-35 قبل إخراجها منه. وقال وزير الخارجية التركي آنذاك مولود تشاووش أوغلو إن تركيا، باعتبارها شريكاً في البرنامج، تنتظر تسوية مسألة الأموال التي دفعتها بعد توقف مشاركتها.
وهنا تتداخل ثلاثة مسارات مختلفة: استعادة الطائرات أو استئناف المشاركة في البرنامج، تسوية الوضع المالي، وإيجاد صيغة سياسية تسمح بإعادة بناء التعاون الدفاعي.
ولهذا فإن المطالبة التركية لا تقتصر بالضرورة على خيار واحد. فمن منظور أنقرة، يمكن أن تكون إعادة الطائرات إلى تركيا إحدى الصيغ، أو إعادة دمجها في البرنامج في ظل ترتيبات جديدة، أو الوصول إلى تسوية مالية بشأن الأموال التي دفعتها.
لكن هذه الخيارات كلها مرتبطة بالسؤال الأكثر حساسية: ماذا سيحدث لمنظومة إس-400 الموجودة في تركيا؟
المعادلة الأمريكية: إف-35 أم إس-400؟
منذ بداية الأزمة، تعاملت واشنطن مع المسألة باعتبارها تعارضاً جوهرياً بين النظامين.
وفي عام 2019، أوضحت وزارة الدفاع الأمريكية أن تركيا لن تتمكن من تشغيل إس-400 وإف-35 معاً، مشيرة إلى مخاوف تتعلق بقدرة المنظومة الروسية على جمع معلومات يمكن أن تكشف خصائص الطائرة الشبحية. كما أشارت واشنطن إلى أن إزالة إس-400 من تركيا كانت شرطاً مطروحاً للنظر في إمكانية إعادة أنقرة إلى البرنامج.
لكن السنوات اللاحقة أظهرت أن الملف ليس ثابتاً بالكامل.
ففي يوليو/تموز 2026، أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انفتاحاً على إمكانية عودة تركيا إلى برنامج إف-35، في تحول عن الموقف الأمريكي السابق، وإن كان ذلك لا يعني أن اتفاقاً نهائياً قد أُبرم أو أن تسليم الطائرات أصبح أمراً محسوماً.
وهنا تكمن أهمية التطورات الحالية: فالمسألة لم تعد تدور فقط حول ما إذا كانت تركيا ستعود إلى البرنامج، بل حول الشروط التي يمكن أن تجعل هذه العودة ممكنة.
لماذا تثير الصفقة السعودية حساسية تركية؟
المفارقة التي أعادت الملف إلى النقاش الداخلي التركي واضحة.
ففي الوقت الذي لا تزال فيه أنقرة تنتظر تسوية مستقبل مشاركتها في برنامج إف-35، وافقت واشنطن على صفقة محتملة لتزويد السعودية بـ48 مقاتلة من الطراز نفسه.
وتكتسب الخطوة أهمية استراتيجية لأن إف-35 ليست مجرد طائرة مقاتلة متقدمة، بل منظومة جوية متكاملة تجمع بين التخفي والاستشعار والاتصال وقدرات الحرب الإلكترونية، ما يجعل امتلاكها عاملاً مؤثراً في الحسابات العسكرية الإقليمية.
وبالنسبة إلى تركيا، فإن المسألة لا تتعلق فقط بعدد الطائرات التي قد تحصل عليها دولة أخرى، وإنما بما إذا كانت واشنطن تعيد صياغة سياستها تجاه بيع هذه المنظومة لدول المنطقة بينما يبقى الملف التركي عالقاً.
ومع ذلك، ينبغي الحذر من اختزال المسارين السعودي والتركي في معادلة واحدة. فالمفاوضات الأمريكية مع كل دولة لها سياقها السياسي والعسكري والقانوني الخاص، كما أن موافقة وزارة الخارجية الأمريكية على البيع المحتمل للسعودية لا تعني تلقائياً تسوية ملف تركيا.
صفقة سعودية في بيئة إقليمية متغيرة
تأتي الموافقة الأمريكية في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط تحولات متسارعة في علاقات القوى، وتعمل السعودية على تعزيز قدراتها العسكرية وتوسيع شراكتها الدفاعية مع واشنطن.
وتقول الإدارة الأمريكية إن الصفقة المحتملة تخدم أهدافاً تتعلق بالأمن القومي الأمريكي وتعزيز القدرات الدفاعية لشريك رئيسي في المنطقة. وفي المقابل، تثير الصفقة أسئلة داخل الولايات المتحدة حول تأثيرها المحتمل على التوازن العسكري الإقليمي وعلى الالتزام الأمريكي التاريخي بالحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل.
ومن هذه الزاوية، فإن ملف إف-35 التركي لا يمكن فصله عن إعادة ترتيب أوسع للعلاقات الدفاعية الأمريكية في الشرق الأوسط.
أزمة طائرة أم أزمة ثقة؟
بعد سبع سنوات تقريباً من بداية الأزمة، يبدو أن جوهر القضية لم يعد تقنياً فقط.
فالخلاف بدأ بمنظومة دفاع جوي روسية، لكنه تحول إلى اختبار للثقة بين حليفين في الناتو. ثم امتد إلى العقوبات، وسلاسل الإمداد الدفاعية، والمدفوعات المالية، والتوازنات الإقليمية.
ولهذا فإن أي تسوية محتملة ستحتاج إلى معالجة أكثر من عنصر في وقت واحد: وضع إس-400، شروط عودة تركيا إلى البرنامج، مستقبل المدفوعات السابقة، الضمانات المتعلقة بالتكنولوجيا الحساسة، ومتطلبات التعاون الدفاعي داخل الناتو.
أما الحديث عن «عودة تركيا إلى إف-35» باعتباره نتيجة محسومة، فيبقى سابقاً لأوانه ما لم تتحول الإشارات السياسية إلى اتفاقات رسمية وجداول زمنية واضحة.
في نهاية المطاف، لا تكمن أهمية الملف بالنسبة إلى أنقرة في امتلاك مقاتلات متقدمة فحسب. فتركيا تعمل في الوقت نفسه على تطوير منظومتها الجوية المحلية، وعلى تعزيز قدراتها الدفاعية المستقلة. ولذلك فإن قضية إف-35 أصبحت أيضاً رمزاً لسؤال أكبر يتعلق بمستقبل العلاقة الدفاعية مع واشنطن: هل تستطيع أنقرة وواشنطن تجاوز إرث أزمة إس-400 وبناء صيغة جديدة للتعاون، أم سيظل الملف ورقة معلقة في العلاقة بين الحليفين؟
وقد يكون القرار الأمريكي بشأن السعودية قد أعاد السؤال إلى الواجهة، لكنه لم يقدم بعد الإجابة عنه.
فالطائرات قد تكون جوهر الخلاف الظاهر، لكن القضية الأعمق تتعلق بمستقبل الثقة الاستراتيجية بين أنقرة وواشنطن.

