أصدرت محكمة الدوائر التخصصية لكوسوفو في لاهاي حكماً يقضي بسجن رئيس كوسوفو السابق، هاشم ثاتشي، لمدة 25 عاماً إثر إدانته بارتكاب جرائم حرب خلال النزاع المسلح الذي شهدته البلاد بين عامي 1998 و1999.
ويشكل هذا الحكم التحول الأكثر دراماتيكية في المسيرة السياسية لواحد من ألمع رموز استقلال كوسوفو، كما ينكأ جراح ملفات سياسية وقضائية شائكة، وفي مقدمتها قضية تسليم مواطنين أتراك بصورة غير قانونية إلى أنقرة عام 2018.
إدانة بجرائم حرب وتبرئة من الجرائم ضد الإنسانية
أدانت المحكمة ثاتشي، البالغ من العمر 58 عاماً، بصفته قائداً سابقاً في “جيش تحرير كوسوفو”، بارتكاب جرائم شملت القتل، والتعذيب، والمعاملة القاسية، والاحتجاز غير القانوني. وأشار قرار الحكم الصادر إلى أن ثاتشي يتحمل المسؤولية الجنائية عن مقتل 96 شخصاً من الخصوم السياسيين المفترضين أو المتهمين بالتعاون مع القوات الصربية.
كما حَمَّلت المحكمة ثاتشي المسؤولية عن الاحتجاز التعسفي لـ 385 شخصاً، وتعذيب 303 معتقلين، فضلاً عن المعاملة القاسية لعشرات آخرين. ورغم مطالبتها الأولى بعقوبة السجن لمدة 45 عاماً، برأت المحكمة ثاتشي والمتهمين الآخرين معه من تهم الجرائم ضد الإنسانية لعدم كفاية الأدلة على وجود هجمات واسعة النطاق أو منهجية. وقد واصل ثاتشي نفي كافة التهم الموجهة إليه طوال مراحل المحاكمة، ومن المتوقع أن يقدم طعناً واستئنافاً ضد القرار.
المسار السياسي: من قيادة التحرير إلى منصة الاتهام
شكل ثاتشي أحد أبرز القادة الذين برزوا من صفوف جيش تحرير كوسوفو، لتشهد مرحلة ما بعد الحرب صعوده السياسي ليشغل منصبي رئيس الوزراء ثم رئيس الجمهورية، موطداً علاقات وثيقة مع الحكومات الغربية ومقدماً نفسه كرمز لبناء الدولة والاستقلال.
غير أن الاتهامات المتعلقة بسلوك كبار قادة جيش تحرير كوسوفو ظلت تلاحق الهيكل القيادي، مما أدى لإنشاء محكمة الدوائر التخصصية بموجب القانون الكوسوفي، مع نقل مقرها إلى لاهاي لدواعي المخاوف المتعلقة بترهيب الشهود.
وضمت لائحة الاتهام إلى جانب ثاتشي ثلاثة من قادة الجيش السابقين، هم: قدري فيسيلي، ورجب سليمي، ويعقوب كراسنيقي. وعقب تأكيد لائحة الاتهام عام 2020، أعلن ثاتشي استقالته من الرئاسة ونُقل إلى لاهاي، حيث بدأت محاكمته عام 2023 وشهدت تقديم شهادات أكثر من 130 شاهداً.
ملف تسليم التربويين الأتراك عام 2018
يرتبط اسم ثاتشي لدى أطراف عدة بذاكرة ترحيل ستة مواطنين أتراك — خمسة تربويين وطبيب واحد — في 29 مارس/آذار 2018. وجرى احتجازهم في كوسوفو ونقلهم بصورة خاطفة إلى تركيا، عقب اتهامهم من قبل أنقرة بالانتماء إلى حركة فتح الله كولن، التي تحملها السلطات التركية مسؤولية محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو/تموز 2016.
وحُرِم المعتقلون من حقوقهم الأساسية في الطعن في قرار الترحيل أو التواصل الفعال مع محامين، ونُقلوا عبر طائرة تركية قبل أن تستوعب عائلاتهم أو القيادة السياسية في كوسوفو طبيعة ما يجري. ووصفت المنظمات الحقوقية، ومنها منظمة “مدافعون عن الحقوق المدنية”، العملية بأنها ترحيل غير قانوني واحتجاز تعسفي نُفذ بتنسيق بين جهاز الاستخبارات الكوسوفي وجهاز الاستخبارات الوطني التركي (MİT).
وأحدثت العملية أزمة سياسية داخلية؛ إذ صرح رئيس الوزراء الكوسوفي آنذاك، راموش هاراديناي، بعدم علمه المسبق بالعملية، وأقال على الفور وزير الداخلية ورئيس جهاز الاستخبارات. كما وجه الاتحاد الأوروبي انتقادات حادة للعملية مؤكداً أنها تثير تساؤلات خطيرة حول مدى احترام سيادة القانون والحقوق الأساسية. وكشف تحقيق برلماني لاحق عن انتهاكات متعددة للدستور والقوانين المحلية والدولية، مع تحميل ثاتشي المسؤولية السياسية، رغم نفيه إصدار أية أوامر مباشرة لتنفيذ العملية.
بين التفتيش عن المساءلة وصيانة سيادة القانون
على الجانب التركي، قوبلت العملية بثناء علني من الرئيس رجب طيب أردوغان الذي انتقد إقالة المسئولين الكوسوفيين، واعتبرتها أنقرة نجاحاً في مكافحة الإرهاب، فيما اعتبرها الحقوقيون نموذجاً لـ “القمع العابر للحدود” عبر استغلال الضغوط الدبلوماسية والتنسيق الاستخباراتي لتجاوز الأطر القضائية.
وعلى الصعيد الداخلي في كوسوفو، أثار حكم لاهاي حالة من الغضب والاحتجاجات بين مؤيدي ثاتشي الذين يَرَون في جيش تحرير كوسوفو القوة التي حررت البلاد من القمع الصربي. إلا أن التحليلات والأنظمة الحقوقية تؤكد أن الاعتراف بجرائم القوات الصربية لا يعني منح حصانة دائمة لأعضاء جيش تحرير كوسوفو عن الانتهاكات المرتكبة.
ويرسل الحكم رسالة مفادها أن النفوذ السياسي قد يؤجل المحاسبة لكنه لا يلغيها. ورغم أن الحكم لا ينهي التساؤلات العالقة بشأن ملف ترحيل المواطنين الأتراك، فإنه يعيد فتح القضية أمام العائلات حول الجهة الحقيقية التي أصدرت أوامر الترحيل في 29 مارس/آذار 2018، وأسباب غياب المحاسبة السياسية والقانونية للمسؤولين عنها حتى الآن.

