خلصت لجنة تحكيم تابعة لمنظمة التجارة العالمية إلى أن الرسوم الجمركية الإضافية والاشتراطات التنظيمية التي فرضتها تركيا على واردات السيارات الكهربائية وبعض الطرازات الهجينة القادمة من الصين تُعد انتهاكاً للقواعد التجارية الدولية.
وجاء هذا القرار في ختام نزاع تجاري أثارته بكين ضد سياسات الحماية التي اعتمدتها أنقرة، دون أن يتضمن الحكم إلزاماً فورياً لتركيا بدفع تعويضات مالية مباشرة للصين.
تقرير لجنة التحكيم وسقف الرسوم الجمركية
وزعت المنظمة تقريراً شاملاً يقع في 122 صفحة في 28 يوليو/تموز الماضي، لمراجعة الإجراءات التركية كما جرى تعديلها في سبتمبر/أيلول 2025. وأوصت اللجنة بأن تقوم أنقرة بتعديل تدابيرها لتتوافق مع التزاماتها بموجب الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة “جات”.
وقد اشتملت الإجراءات التركية على فرض رسوم إضافية تضاف فوق التعريفة الجمركية القياسية البالغة 10 في المئة؛ إذ تم فرض رسم إضافي بنسبة 30 في المئة أو ما لا يقل عن 8500 دولار أمريكي عن كل سيارة كهربائية مستوردة من دول لا تجمعها بتركيا اتفاقية تجارة إقليمية. كما بلغت الرسوم الإضافية على سيارات البنزين والسيارات الهجينة غير القابلة للشحن الخارجي 25 في المئة أو 6000 دولار كحد أدنى، بينما حددت بالنسبة للسيارات الهجينة القابلة للشحن الخارجي بنسبة 30 في المئة أو 7000 دولار.
وخلصت اللجنة إلى أن الرسوم الإضافية على المركبات الكهربائية والهجينة المندرجة ضمن 34 فئة تعريفية قد تجاوزت السقوف الجمركية الملتزمة بها تركيا لدى المنظمة، وأعطت المستوردات الصينية معاملة أقل تفضيلاً. وفي المقابل، ردت اللجنة ادعاءات الصين المتعلقة بالرسوم على سيارات البنزين وبعض الفئات الهجينة لعدم ثبوت مخالفتها.
كما رفضت اللجنة الدفوع التركية التي زعمت أن الرسوم تهدف لحماية الصحة العامة والموارد الطبيعية، مؤكدة أن أنقرة لم تثبت وجود رابط بين هذه الضرائب وهذه الأهداف. وأيدت اللجنة معظم الإعفاءات الممنوحة لشركاء تركيا في اتفاقيات التجارة الحرة، باستثناء الإعفاء الممنوح لفنزويلا، والذي اعتبرته غير مبرر لأن الاتفاق الثنائي لا يغطي عدة فئات من المركبات.
نظام تراخيص الاستيراد والمعاملة التفضيلية
ولم تتوقف الإدانة عند حدود الرسوم المالية، بل طالت أيضاً نظام تراخيص الاستيراد الذي فرضته السلطات التركية على السيارات الكهربائية والهجينة القابلة للشحن. وقد فرض هذا النظام على المستوردين مجموعة اشتراطات، شملت إنشاء 20 محطة صيانة مرخصة تتوزع على سبع مناطق جغرافية، وتوظيف فنيين مؤهلين ومشهود لهم بشهادات معتمدة.
كذلك فرض النظام تشغيل مركز اتصالات داخل تركيا يضم 40 موظفاً على الأقل لكل علامة تجارية، وتعيين ممثل رسمي للشركة داخل البلاد، فضلاً عن إخضاع أنظمة البطاريات للرقابة الحكومية المباشرة. ووجدت اللجنة أن هذه المتطلبات تمنح السيارات الصينية معاملة أقل تفضيلاً مقارنة بالمركبات التركية المماثلة، رافضة حجج أنقرة بأن النظام ضروري لإنفاذ قواعد حماية المستهلك واعتماد المركبات.
التبعات الاقتصادية والموقف السياسي الداخلي
وعلى الصعيد الداخلي، أثار القرار جدلاً واسعاً؛ حيث أعلن دينيز يافوز يلماز، النائب عن حزب الشعب الجديد المعارض، عبر منصة “إكس”، أن الحكم سيكلف تركيا ما لا يقل عن 100 مليون دولار سنوياً (أي ما يعادل نحو 4.49 مليار ليرة تركية). ودعا النائب التركي وزير التجارة عمر بولات إلى الاستقالة والطعن في القرار قبل 26 سبتمبر/أيلول، على خلفية التعديلات المتكررة على ضرائب السيارات.
ورغم أن النائب لم يوضح طريقة احتساب هذا المبلغ، فإن قواعد منظمة التجارة تؤكد أن التعويضات مالية طوعية ومؤقتة، ولا تُتاح إلا إذا فشلت الدولة المدانة في الامتثال للقرار بعد انقضاء المهلة المتفق عليها. وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق حول التعويضات، يحق للصين تقديم طلب للمنظمة لتجميد امتيازات تجارية توازي حجم الضرر الناجم. وتؤكد المنظمة أن هذه الآلية لا تعني مطالبة تركيا بالدفع النقدي الفوري.
المسار الإجرائي وطلب التمديد
تعود جذور الأزمة إلى أكتوبر/تشرين الأول 2024 عندما طلبت الصين إجراء مشاورات ثنائية بشأن الرسوم ونظام التراخيص. وعقب فشل تلك المشاورات، شكلت المنظمة لجنة التحكيم في فبراير/شباط 2025.
وفي الوقت الراهن، لم يتم اعتماد التقرير رسمياً من قبل هيئة تسوية المنازعات التابعة للمنظمة؛ إذ تنص القواعد على ضرورة اعتماد التقرير خلال 60 يوماً من تداوله ما لم يتقدم أحد الطرفين بطعن أو يتفق الأعضاء على عدم اعتماده. وفي تطور إجرائي مشترك، طلبت تركيا والصين الاستئصال والتأجيل بمنحهما مهلة إضافية حتى 27 أكتوبر/تشرين الأول للاستئناف أو طلب الاعتماد، وهو الطلب المقرر النظر فيه يوم 25 سبتمبر/أيلول، أي قبل يوم واحد من انقضاء مهلة الستين يوماً الأصلية.
تأثر الاستثمارات وتجميد خطط “بي واي دي”
يرتبط هذا الملف التجاري المعقد باستثمارات ضخمة لشركات السيارات الصينية؛ إذ وقعت تركيا في عام 2024 اتفاقاً مع شركة “بي واي دي” (BYD) الصينية لبناء مصنع للسيارات الكهربائية باستثمار تبلغ قيمته مليار دولار في ولاية مانيسا غربي البلاد، بقدرة إنتاجية تصل إلى 150 ألف سيارة سنوياً، ويوفر نحو 5 آلاف فرصة عمل.
لكن المشروع تعرض للتجميد المؤقت بعدما حوّلت الشركة اهتمامها نحو مصنع جديد في المجر؛ حيث صرحت ستيلا لي، النائبة التنفيذية لرئيس الشركة، لصحيفة رويترز في يونيو/حزيران أن الإنتاج في مصنع المجر سيبدأ أواخر عام 2026. ورداً على ذلك، كشف مسؤولون في وزارة الصناعة والتكنولوجيا التركية عن سحب حوافز الاستثمار الممنوحة للشركة في مطلع العام الجاري بسبب عدم تقدم المشروع، مع تأكيدهم على بقاء اتفاقية الاستثمار والضمانات ذات الصلة سارية المفعول حتى الآن.

