بقلم: سليم نيازي أوغلو
لم تعد مضائق الشرق الأوسط مجرد ممرات بحرية تتحكم في حركة التجارة والطاقة، بل تحولت إلى أدوات استراتيجية في صراع أوسع على الردع والنفوذ وإعادة توزيع الأعباء الأمنية. فمن مضيق هرمز في الخليج إلى باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، تتداخل الحسابات الإيرانية والأمريكية والسعودية مع أدوار إقليمية ودولية متزايدة، بحيث أصبح أمن الملاحة جزءاً من معادلة الصراع نفسها، وليس مجرد نتيجة لها.
وتكمن أهمية باب المندب في موقعه الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويشكل بوابة رئيسية أمام التجارة المتجهة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس. وتقدر رويترز أن نحو 7% من الإنتاج النفطي العالمي كان يمر عبر المنطقة قبل التصعيد الأخير، فيما أدت الهجمات الحوثية السابقة إلى دفع شركات شحن وطاقة إلى تغيير مساراتها والإبحار حول رأس الرجاء الصالح، بما رفع تكاليف النقل وأطال زمن الرحلات.
في المقابل، يحتفظ مضيق هرمز بمكانة أكثر حساسية في معادلة الطاقة العالمية. فقد كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب الأخيرة نحو 20% من النفط العالمي، بينما تراجعت حركة السفن التجارية فيه بصورة حادة خلال التصعيد الحالي. وتشير بيانات حديثة إلى عبور ثلاث سفن تجارية فقط للمضيق في أحد أيام الأسبوع الماضي، مقارنة بمتوسط أعلى بكثير خلال الأيام السابقة.
من هرمز إلى باب المندب: نقل الضغط إلى منطقة رمادية
في هذه البيئة، تبدو الاستراتيجية الإيرانية القائمة على توسيع مساحة الضغط غير المباشر إحدى أبرز سمات الصراع. فبدلاً من حصر المواجهة في الخليج، يمتد نطاق التوتر إلى البحر الأحمر واليمن، حيث يستطيع الحوثيون تهديد الملاحة من دون أن تتحول كل مواجهة إلى اشتباك مباشر بين إيران والقوى الغربية.
وهذه هي إحدى خصائص ما يعرف بـ«المنطقة الرمادية»: ممارسة ضغط عسكري وأمني واقتصادي عبر حلفاء وشبكات إقليمية، مع إبقاء مسافة تسمح للقوة الداعمة بتجنب تحمل كامل كلفة المواجهة المباشرة. ولا يعني ذلك أن كل تحرك حوثي هو بالضرورة قرار إيراني مباشر، لكن التقارير الدولية تصف الجماعة بأنها مدعومة من إيران، فيما تزامن توسعها على الساحل الغربي مع اتساع المخاوف من قدرتها على تهديد باب المندب.
وتزداد أهمية هذه المعادلة مع اقتراب الحوثيين من مناطق استراتيجية على الساحل، بما فيها المخا وذباب ومحيط جزيرة ميون. فامتلاك موطئ قدم على هذه الجغرافيا لا يعني بالضرورة القدرة على «إغلاق» المضيق عسكرياً، لكنه يمنح الطرف المسيطر قدرة أكبر على تهديد السفن ورفع تكلفة المرور وفرض حالة من عدم اليقين على شركات النقل والتأمين.
وهنا تتحول الجغرافيا إلى سلاح اقتصادي. فحتى من دون إغلاق كامل للممرات البحرية، يكفي ارتفاع المخاطر والتأمين وأسعار الوقود وتكاليف الشحن لإحداث أثر يتجاوز حدود اليمن وإيران والسعودية، ويمتد إلى مصر وقناة السويس والأسواق الآسيوية والأوروبية.
السعودية أمام معادلة مضيقين
تحاول الرياض في الوقت نفسه تقليل تعرض صادراتها النفطية للخطر عبر تنويع طرق التصدير. ويأتي خط أنابيب «شرق ـ غرب» الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى موانئ البحر الأحمر في ينبع ضمن أهم عناصر هذه الاستراتيجية، لأنه يوفر بديلاً عن الاعتماد الكامل على هرمز.
لكن هذا البديل نفسه يصبح أكثر هشاشة عندما يمتد الصراع إلى البحر الأحمر. فقد أشارت تقارير حديثة إلى تعرض البنية المرتبطة بمسارات الطاقة السعودية لهجمات بطائرات مسيرة، بالتزامن مع تصاعد تهديد الحوثيين للملاحة.
وبذلك تتشكل معادلة جغرافية شديدة التعقيد: هرمز يمثل بوابة الخليج ومصدر الخطر المباشر على تدفقات الطاقة، بينما يمثل باب المندب بوابة البحر الأحمر وقناة السويس. وأي اضطراب متزامن في المسارين يمكن أن يحول أزمة إقليمية إلى أزمة في سلاسل الإمداد والطاقة على المستوى العالمي.
باكستان: الدفاع عن السعودية من دون الانزلاق إلى حرب إقليمية
في هذا السياق، تكتسب العلاقة الدفاعية بين السعودية وباكستان أهمية خاصة. فإسلام آباد تجد نفسها أمام معادلة دقيقة: حماية شريك استراتيجي مثل السعودية، مع تجنب الدخول في مواجهة مفتوحة مع إيران.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الرياض طلبت دعماً عسكرياً أمريكياً مباشراً في مواجهة التصعيد الحوثي، فيما اختارت واشنطن حتى الآن تقديم دعم استخباراتي ومساندة في الاستهداف بدلاً من شن حملة عسكرية أمريكية مباشرة واسعة ضد الحوثيين.
وهذا يفسر أهمية الدور الباكستاني المحتمل. فالمشاركة الدفاعية يمكن أن تركز على حماية المجال الجوي والمنشآت الحيوية واعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة، من دون أن تعني بالضرورة مشاركة برية أو عمليات هجومية داخل اليمن. وتسمح هذه الصيغة لإسلام آباد بالحفاظ على التزاماتها الأمنية تجاه الرياض، مع إبقاء هامش للتواصل مع طهران.
أما السعودية، فتسعى في الوقت نفسه إلى تجنب حرب استنزاف طويلة يمكن أن تهدد مشاريعها الاقتصادية والاستثمارية الكبرى. ومن هنا تبدو حماية الأراضي والمنشآت والبنية التحتية للطاقة أولوية تتقدم على توسيع نطاق الحرب.
F-35: صفقة سلاح أم إعادة تعريف للشراكة؟
في موازاة ذلك، دخلت العلاقات السعودية ـ الأمريكية مرحلة جديدة مع موافقة وزارة الخارجية الأمريكية على صفقة محتملة بقيمة 24.3 مليار دولار تشمل 48 طائرة F-35A و49 محركاً، في انتظار المسار التشريعي الأمريكي.
وتتجاوز أهمية الصفقة قيمتها المالية. فامتلاك السعودية منظومة مقاتلات شبحية متقدمة من هذا المستوى سيؤثر في بنية التوازن العسكري في الخليج، ويعكس في الوقت نفسه رغبة الرياض في تعزيز قدراتها الذاتية بدلاً من الاعتماد حصراً على التدخل الأمريكي المباشر.
لكن الصفقة تضع واشنطن أمام معادلة حساسة تتعلق بالحفاظ على «التفوق العسكري النوعي» لإسرائيل، وهو مبدأ راسخ في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط.
كما أن البعد التكنولوجي لا يقل أهمية عن البعد العسكري. فالتعاون السعودي المتنامي مع الصين يثير في واشنطن مخاوف بشأن حماية التكنولوجيا الحساسة وسلاسل الإمداد والبيانات العسكرية. ولذلك فإن قضية F-35 لا تتعلق بالطائرة وحدها، وإنما بمستقبل الشراكة الأمنية بين الرياض وواشنطن وحدود الانفتاح السعودي على القوى الدولية الأخرى.
ترامب بين الحرب والتسوية
أما إدارة دونالد ترامب فتواجه معضلة أكثر اتساعاً. فاستمرار الحرب مع إيران يفرض كلفة عسكرية واقتصادية متزايدة، بينما يؤدي توسيعها إلى فتح جبهات إضافية من الخليج إلى البحر الأحمر.
وتكشف التطورات الأخيرة حجم هذه المعضلة: فواشنطن تريد منع إيران من استخدام هرمز كورقة ضغط استراتيجية، لكنها في الوقت نفسه لا تريد الانجرار إلى حرب مفتوحة تمتد إلى البنية النفطية الخليجية. كما أن تقدم الحوثيين على الساحل الغربي لليمن يهدد بإعادة فتح جبهة البحر الأحمر في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة احتواء تداعيات الحرب مع إيران.
لهذا تبدو المعركة الحالية أقل شبهاً بحرب تقليدية ذات جبهات واضحة، وأكثر شبهاً بصراع متعدد الطبقات تتداخل فيه الصواريخ والطائرات المسيرة والممرات البحرية والطاقة والردع الاقتصادي والدبلوماسية.
والخطر الأكبر لا يكمن بالضرورة في إغلاق هرمز أو باب المندب بالكامل، بل في تحويلهما إلى ممرين دائمَي الاضطراب. فمجرد ارتفاع المخاطر قد يكون كافياً لإعادة رسم طرق التجارة، ورفع أسعار الطاقة والتأمين، وإضعاف سلاسل الإمداد.
وبذلك يتحول البحر من مساحة تفصل بين أطراف الصراع إلى ساحة مركزية فيه. وبين هرمز وباب المندب، لا تدور المعركة فقط على من يملك القدرة على إغلاق المضيق، بل على من يستطيع التحكم في كلفة فتحه وإبقائه مفتوحاً. وهذه هي جوهر المعادلة الجيوسياسية الجديدة في الخليج والبحر الأحمر.

