تعد قضية وفاة بهجت أوكتاي، الرئيس الأسبق لدائرة العمليات الخاصة، واحدة من أكثر الملفات غموضاً وإثارة للجدل في التاريخ الأمني والسياسي التركي الحديث. فبعد مرور سبعة عشر عاماً على تلك الليلة الشتوية في أنقرة، عاد الملف ليتصدر المشهد العام مجدداً في أغسطس 2026 بقرار من وزارة العدل التركية، مما أعاد فتح باب التساؤلات حول حقيقة ما جرى فوق تلال منطقة “ديكمن”.
مشهد الرحيل: تفاصيل ليلة الغموض
في منتصف ليلة الخامس والعشرين من فبراير لعام 2009، وتحديداً في الساعة الواحدة والنصف صباحاً، عُثر على بهجت أوكتاي مصاباً بطلق ناري في رأسه داخل حي “كيكليك بيناري” بمنطقة ديكمن في أنقرة. ووفقاً لبيانات التحقيق، كان أوكتاي قد توجه بسيارته إلى محيط منزل عائلة نرجس كيسيكي، التي كانت تربطه بها علاقة سابقة، وهناك علقت سيارته في الثلوج. وحسب الرواية المتوفرة، خرج خليل كيسيكي، شقيق نرجس، لمساعدته، ليدوي صوت الرصاص في تلك اللحظة. ورغم نقله إلى المستشفى، إلا أن المحاولات الطبية لم تفلح في إنقاذه.
التناقضات الفنية والمخبرية: لغز اليد اليسرى
تثير الأدلة الجنائية في ملف أوكتاي جملة من الاستفهامات التي تضع فرضية الانتحار في مأزق منطقي؛ فأوكتاي كان معروفاً باحترافه استخدام يده اليسرى، بينما جاءت الإصابة القاتلة من الجهة اليمنى، وهو تناقض جوهري تمسكت به عائلته كدليل على وقوع جريمة قتل. كما كشفت تقارير المعامل الجنائية عن غياب آثار البارود عن كف يد أوكتاي، مع وجودها فقط على ظهر يده اليمنى وكم معطفه، وهو ما يتنافى مع ميكانيكية الانتحار التي تقتضي وجود آثار في باطن الكف.
في المقابل، أظهرت الفحوصات وجود بقايا بارود في باطن كف خليل كيسيكي، الشاهد الوحيد والمدعى عليه في القضية، والذي برر ذلك بلمسه لأوكتاي المصاب، وهي الحجّة التي قبلتها المحكمة لاحقاً معتبرة أن آثار البارود وحدها لا تكفي كدليل إدانة. وزاد من تعقيد المشهد الفني ما كشفه تقرير معهد الطب الشرعي عن وجود نسبة 192 بروميل من الكحول و104 نانوغرام من الكوكايين في دم الراحل، بالإضافة إلى وجود تسعة كسور في القفص الصدري، نُسبت طبياً إلى محاولات الإنعاش القلبي في المستشفى.
المسار القضائي: من الحفظ إلى التبرئة
شهد الملف تحولات قضائية لافتة؛ ففي البداية، أغلق المدعي العام حسين يالجن التحقيق خلال شهرين فقط بقرار “عدم لزوم الملاحقة”، معتبراً الواقعة انتحاراً، وهو القرار الذي تسبب لاحقاً في تلقيه عقوبة تحذيرية من مجلس القضاة والمدعين العامين بسبب “الإهمال وعدم الاكتراث” في أداء الواجب. إلا أن إصرار العائلة أدى لنقض هذا القرار في عام 2011 من قبل محكمة “سينجان”، التي لفتت الانتباه إلى تناقض أقوال الشاهد خليل كيسيكي ووجود آثار رضوض على جسد أوكتاي.
ورغم توجيه تهمة “القتل العمد” وحيازة سلاح غير مرخص لخليل كيسيكي في عام 2012، إلا أن محكمة الجنايات الثامنة بأنقرة، برئاسة القاضي بهاء الدين أوزباش، قضت بتبرئته في مايو 2013 لعدم كفاية الأدلة القاطعة، متمسكة بفرضية الانتحار. والجدير بالذكر أن القاضي أوزباش استمر في مهامه السيادية حتى بعد أحداث الانقلاب الغامض في 2016، وتولى رئاسة لجنة الانتخابات في أنقرة، مما ينفي عنه صبغة الانتماء لحركة الخدمة التي تحاول السلطة الحالية تحميلها مسؤولية “التستر” على الملف.
التوظيف السياسي ومغالطات الأرشيف الإعلامي
يبرز في التطورات الأخيرة محاولة من وزير العدل الحالي، أكين غورليك، لربط طريقة معالجة الملف إعلامياً بحركة الخدمة، مدعياً أن وسائل إعلامها روجت للواقعة كـ”انتحار”. غير أن العودة إلى أرشيف صحيفة “زمان” في تلك الفترة تدحض هذه المزاعم؛ فقد نشرت الصحيفة في فبراير 2009 مانشيتات تتحدث عن “الموت الغامض” وناقشت فرضية القتل بناءً على استخدام أوكتاي ليده اليسرى. بل وذهبت أبعد من ذلك في عام 2011 بنشر تسجيلات صوتية تشير إلى أن الحادثة كانت “عملية اغتيال مخطط لها” تورطت فيها أسماء أمنية وقضائية رفيعة، وطالبت بإدراج القضية ضمن ملفات “الجرائم المجهولة”.
البحث عن حقيقة أم صراع سرديات؟
إن إعادة فتح ملف بهجت أوكتاي في أغسطس 2026، وما رافقها من تصريحات سياسية، تشير إلى رغبة في إعادة صياغة التاريخ القضائي ليتناسب مع الاحتياجات السياسية الراهنة. فبينما تشير الأدلة الملموسة -مثل اتصالات خليل كيسيكي بمديرية أمن أنقرة ليلة الحادثة وتحسن وضعه المادي المفاجئ بعد الواقعة- إلى وجود زوايا معتمة لم تُكشف بعد، يبدو أن التركيز الرسمي ينصب على توجيه الاتهام لخصوم سياسيين بدلاً من ملاحقة الخيوط الجنائية التي أُهملت في التحقيقات الأصلية. ويبقى التساؤل قائماً حول ما إذا كان فتح الملف سيفضي إلى عدالة حقيقية لأوكتاي، أم سيظل مجرد أداة في صراع السرديات السياسية.

