تخوض منظومة الطاقة في تركيا مرحلة تحول استراتيجي تستهدف التوفيق بين تعزيز الأمن القومي الطاقي وتنويع مصادر الإمداد من جهة، والالتزام بالأهداف المناخية الدولية لتقليل الانبعاثات من جهة أخرى.
وفي هذا السياق، يأتي التوقيع على اتفاقية منحة وتطوير بين أنقرة وواشنطن كخطوة محورية لتقييم جدوى إدماج المفاعلات المودولية الصغيرة (SMR) وتقنيات الجيل الرابع النووية ضمن المزيج الوطني.
تفاصيل الاتفاقية المالية والفنية بين “تُوناش” ووكالة التنمية الأمريكية
جرت مراسم توقيع الاتفاقية في “البيت التركي” (Türkevi)—المركز الدبلوماسي لتركيا في نيويورك—وذلك يوم الثلاثاء الموافق 22 سبتمبر 2026. وقّع الاتفاقية المدير العام للشركة التركية للطاقة النووية (TÜNAŞ)، نجاتي ياماش، ونائب مدير وكالة التجارة والتنمية الأمريكية (USTDA)، توماس هاردي، بحضور وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار خلال زيارته الرسمية للولايات المتحدة.
تبلغ الميزانية الإجمالية للمشروع حوالي مليوني دولار أمريكي، حيث تتكفل وكالة التجارة والتنمية الأمريكية بتغطية التكاليف المالية للعمل الفني والتنفيذي بالكامل، ومن المقرر أن تستغرق هذه الدراسة التقييمية عاماً واحداً على الأقل.
تستهدف الدراسة فحص وتحديد خصائص التصاميم المقدمة من الشركات الأمريكية، والتي تتضمن أربعة تصاميم لمفاعلات مودولية صغيرة وخمسة تصاميم لمفاعلات من الجيل الرابع. وتغطي الدراسة التقييمية جوانب متعددة تشمل الخصائص الفنية والهندسية، والتكاليف المالية ونماذج التمويل، وحالة التراخيص وسلاسل التوريد، ومتطلبات السلامة والأمان النووي، وتحديد المواقع الجغرافية المحتملة والأطر القانونية المنظمة.
ويقتصر الاتفاق على إجراء دراسة جدوى وتقييم شامل للخيارات التقنية المطروحة، ولا يُعد قراراً أو التزاماً بخيار الشراء أو البناء لأي من التصاميم الخاضعة للمراجعة.
الأبعاد الاستراتيجية والأهداف الوطنية للتحول الطاقي
صرّح الوزير ألب أرسلان بيرقدار بأن هذه الاتفاقية تتيح لتركيا تقييماً دقيقاً وموضوعياً للجوانب الفنية والاقتصادية والتنظيمية المرتبطة بتكنولوجيات الطاقة النووية الحديثة.
وتربط الحكومة التركية هذا التوجه برؤيتها الاستراتيجية للوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2053، بالإضافة إلى تنويع مصادر الطاقة وخفض الاعتماد المستمر على واردات الطاقة الخارجية.
مسار التعاون المدني النووي بين أنقرة وواشنطن
تأتي هذه المنحة امتداداً عملياً لمذكرة التفاهم الخاصة بالتعاون النووي المدني الاستراتيجي الموقعة بين البلدين في 25 سبتمبر 2025.
أُبرمت المذكرة السابقة في البيت الأبيض بين وزير الطاقة التركي بيرقدار ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، بحضور ورعاية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لتشجيع الشراكات والاستثمارات بين الشركات التركية والأمريكية.
الخارطة النووية التركية والتوازن بين المفاعلات الكبرى والصغيرة
تُشيد تركيا أول محطة طاقة نووية في منطقة أق قويو بمحافظة مرسين الجنوبية، وتتولى شركة “روساتوم” الحكومية الروسية ملكية وبناء هذه المنشأة التي تضم أربعة مفاعلات. وتسعى الحكومة التركية لتوليد أول دفعة كهرباء من المفاعل الأول بنهاية عام 2026، بينما تتوقع روساتوم بدء عمليات التشغيل الأولي هذا العام، والوصول إلى التشغيل التجاري الكامل عام 2027.
كما تتضمن الخطة الحكومية إنشاء محطتين تقليديتين إضافيتين في محافظة سينوب شمالاً وإقليم تراقيا في أقصى الشمال الغربي، بواقع أربعة مفاعلات في كل موقع، دون الاستقرار النهائي حتى الآن على الشركاء الدوليين أو التقنيات المعتمدة.
وتمثل دراسة المفاعلات المودولية الصغيرة خياراً استراتيجياً لبحث بدائل أقل حجماً وأكثر مرونة مقارنة بالمفاعلات التقليدية الكبرى.
النشاط الدولي لوكالة (USTDA) في الأسواق الناشئة
أعلنت وكالة التجارة والتنمية الأمريكية عن اتفاقية منحة مماثلة مع هيئة توليد الكهرباء في تايلاند بتاريخ 14 سبتمبر، لتقييم تقنيات المفاعلات المودولية الصغيرة الأمريكية في إطار دراسة تايلاند لإمكانية إنشاء أول محطة نووية في تاريخها.
تُظهر هذه الخطوة تحولاً ناعماً ومتوازناً في الدبلوماسية الطاقية لتركيا؛ فبينما تعتمد المجمعات النووية التقليدية الكبرى (مثل أق قويو) على التكنولوجيا والتمويل الروسيين، تسعى أنقرة من خلال الشراكة مع واشنطن إلى فتح مسار متوازٍ مع التكنولوجيا الغربية. وتوفر المفاعلات المودولية الصغيرة (SMR) مرونة عالية من حيث سرعة الإنشاء، وانخفاض التكاليف الرأسمالية الابتدائية، وإمكانية الربط مع الشبكات الكهربائية في المناطق النائية أو الصناعية.
كما تعكس هذه التحركات منافسة جيو-اقتصادية متزايدة بين القوى الكبرى لترسيخ حضورها في أسواق الطاقة النظيفة بالدول الناشئة.

