تشهد الساحة الدولية انعطافة هامة في مسار الدعم العسكري المقدم لأوكرانيا، حيث برزت معطيات جديدة تشير إلى موافقة الولايات المتحدة الأمريكية على صفقة سلاح كبرى تنتقل بموجبها معدات عسكرية من مخازن القوات المسلحة التركية إلى الجبهات الأوكرانية. هذه الخطوة لا تعكس فقط رغبة أنقرة في تحديث ترسانتها، بل تؤكد أيضاً على التنسيق الوثيق مع واشنطن لتعزيز القدرات الدفاعية والهجومية لكييف في مواجهة التدخل الروسي.
الإطار القانوني والمالي للصفقة
استندت الأنباء المتعلقة بهذه الصفقة إلى وثائق رسمية من سجلات الكونغرس الأمريكي مؤرخة في السادس من أغسطس، حيث أخطرت وزارة الخارجية الأمريكية المشرعين بموافقتها على هذا التبادل العسكري. وتبلغ القيمة الإجمالية لهذه الصفقة نحو 283 مليون دولار أمريكي (ما يعادل تقريباً 245 مليون يورو)، وهي بانتظار مرور فترة 15 يوماً دون اعتراض من مجلسي الشيوخ والنواب لتدخل حيز التنفيذ النهائي. وتأتي هذه الصفقة في إطار سعي أنقرة للتخلص من النماذج القديمة في عتادها العسكري لفسح المجال أمام تحديثات تقنية أحدث، بينما تجد فيها أوكرانيا فرصة ذهبية لتعزيز قوتها النيرانية الميدانية.
تفاصيل العتاد العسكري والقوة التدميرية
تتضمن الحزمة العسكرية المتفق عليها منظومات متطورة وقذائف ذات تأثير واسع، وهي موزعة على النحو التالي:
- صواريخ “أتاكمز” (ATACMS): تشمل الصفقة تزويد أوكرانيا بـ 70 صاروخاً من طراز “أتاكمز” أمريكي الصنع الموجود في العهدة التركية. وتعتبر هذه الصواريخ من نسخة “M39” التي يصل مداها إلى 165 كيلومتراً، وهي مصممة خصيصاً لاستهداف مراكز القيادة واللوجستيات خلف خطوط العدو.
- راجمات الصواريخ “M270”: ستحصل أوكرانيا بموجب هذا الاتفاق على 12 منظومة من راجمات الصواريخ المتعددة، وهي منصات فتاكة قادرة على توفير غطاء ناري كثيف.
- الذخائر العنقودية الثقيلة: يبرز في الاتفاقية توريد أكثر من 2500 صاروخ عيار 227 مليمتر مزودة بذخائر عنقودية، بالإضافة إلى قرابة 47 ألف قذيفة مدفعية عيار 203 مليمتر من النوع العنقودي أيضاً.
الأبعاد الاستراتيجية والتحليل الميداني
تعد هذه الصفقة تغييراً ملموساً في نوعية الأسلحة التي تصل إلى أوكرانيا من مخزونات حلفاء الناتو. فبالرغم من أن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن كانت قد أبدت تردداً طويلاً في السابق بشأن السماح باستخدام صواريخ بعيدة المدى لضرب أهداف داخل العمق الروسي، إلا أن الموافقة الحالية على نقل صواريخ “أتاكمز” من تركيا تشير إلى تحول في سياسة “الخطوط الحمراء”.
ومن الناحية العسكرية، فإن تزويد أوكرانيا بمدفعية عيار 203 مليمتر وذخائر عنقودية يمنحها قدرة فائقة على استهداف التحصينات والارتال العسكرية الممتدة، مما قد يساهم في تغيير ديناميكيات حرب الاستنزاف الحالية. كما أن الدور التركي هنا يبرز كـ “جسر لوجستي” يتيح للولايات المتحدة دعم أوكرانيا دون استنزاف مخزوناتها المباشرة بشكل حاد، مع تمكين حليف استراتيجي كتركيا من تحديث قدراته الدفاعية.
تطورات السياق الراهن
تأتي هذه الصفقة في وقت حساس من الصراع، حيث تسعى أوكرانيا لزيادة وتيرة هجماتها المضادة واستعادة الأراضي، مما يجعل من الصواريخ ذات المدى 165 كيلومتراً أداة حاسمة في شل حركة الإمدادات الروسية. إن هذه الخطوة لا تعزز القوة العسكرية الأوكرانية فحسب، بل تضع تركيا في موقع متقدم ضمن خارطة الداعمين العسكريين الفاعلين، موازنةً بين عضويتها في الناتو وعلاقاتها الإقليمية المعقدة.

