لفهم أبعاد ما يسمى في تركيا “قانون العفو عن عناصر الكردستاني”، نحتاج إلى قراءة معمقة لمسيرة عبد الله أوجلان وحزب العمال الكردستاني، تتجاوز السرديات التقليدية لتغوص في تعقيدات العلاقة بين النضال القومي الكردي وصراع النفوذ، ومستعرضة التساؤلات العميقة حول ما إذا كان الرجل قد ضحى بحقوق شعبه مقابل مكاسب تنظيمية أو شخصية.
الجذور الأيديولوجية والبراغماتية السوفيتية
انطلقت نواة حزب العمال الكردستاني في عام 1978 من قرية “فيس”، حاملةً شعار تأسيس كردستان كبرى مستقلة وموحدة ذات صبغة اشتراكية. لم تكن هذه التوجهات الماركسية مجرد خيار فكري محض، بل كانت ضرورة استراتيجية تفرضها ظروف الحرب الباردة لضمان الدعم العسكري واللوجستي من الاتحاد السوفيتي، الذي كان يسعى بدوره لزعزعة استقرار حلفاء الولايات المتحدة في منطقة غنية بالطاقة. ومع انهيار المعسكر الشرقي في عام 1991، سارع الحزب إلى إزالة المنجل والمطرقة من عَلَمه، في تحول دراماتيكي كشف عن مرونة براغماتية عالية تهدف إلى استبدال الدعم الأيديولوجي المنهار بقوة القومية الكردية الصاعدة.
التحديث القسري وولادة الوعي القومي
يشير السياق التاريخي إلى أن هيمنة الدولة التركية الفعلية على المناطق الكردية لم تبدأ فعلياً إلا بعد عام 1950، مع انطلاق مشاريع البنية التحتية والطرق بدعم أمريكي. هذا التماس مع الحداثة، وما تلاه من هجرات كردية اقتصادية نحو المدن الكبرى في الغرب التركي، خلق حالة من “الاغتراب” لدى النخبة الكردية، مما أدى إلى بلورة وعي قومي كان نتاجاً طبيعياً لعمليات التحديث التي تجعل المجتمعات تميل نحو الهوية الوطنية.
التحول الكبير: من الاستقلال إلى إدارة الصراع
يمثل عام 1993 المنعطف الأهم في مسيرة أوجلان؛ حيث أدرك استحالة تحقيق الاستقلال العسكري، وبدأ يميل نحو اتفاقات تضمن الاعتراف السياسي بدلاً من الانفصال. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد القتال يتمحور حول حقوق الأكراد كأولوية قصوى، بل تحول إلى وسيلة لفرض هيمنة الحزب على الجغرافيا الكردية وتصفية المنافسين السياسيين والميدانيين. أدى هذا التوجه إلى نشوء علاقة تبادلية غريبة بين الحزب وقوى داخل “الدولة العميقة” في أنقرة؛ إذ كان كلاهما يحتاج إلى استمرار النزاع المسلح لتعزيز نفوذه السياسي والمؤسساتي.
اختراقات أمنية وتحالفات خفية
تكشف المصادر عن علاقات معقدة جمعت بين أوجلان وأجنحة داخل جهاز الاستخبارات التركي (MIT)، وتحديداً ما يُعرف بـ “مجموعة ملطيا”. وتشير المعلومات إلى أن أطرافاً في الدولة هي من أحبطت محاولات اغتيال أوجلان في الخارج، بل ووصل الأمر إلى توظيف عناصر من الحزب داخل جهاز الاستخبارات نفسه لضمان استمرارية قنوات الاتصال والتحكم. هذا التداخل يفسر استئناف العمليات العسكرية في عام 2004، الذي لم يكن بقرار كردي خالص، بل بإيعاز من قوى عسكرية كانت تهدف لإرباك حكومة حزب العدالة والتنمية آنذاك.
المشهد الراهن واستراتيجيات ما بعد “أردوغان”
تُقرأ التحركات السياسية الأخيرة والانفتاح المفاجئ على أوجلان في سياق ترتيبات أمنية وسياسية تهدف لتأمين مرحلة ما بعد أردوغان. يسعى جناح في الدولة لاستغلال رمزية أوجلان لإعادة صياغة التوازنات في المنطقة، مما يجعله قائداً مديناً للنظام بوجوده، وجسراً لتمرير أجندات تخدم قوى الدولة العميقة تحت غطاء “الحل السلمي للقضية الكردية”.
خيانة أم استراتيجية بقاء؟
إن الإجابة على جدلية “خيانة أوجلان” تعتمد على زاوية الرؤية؛ فإذا كان المعيار هو الالتزام بالمبادئ القومية والحقوق التاريخية، فإن التنازلات الحالية تبدو تراجعاً جوهرياً. أما إذا نُظر للأمر من منظور “واقعية القوة”، فإن أوجلان يمارس لعبة البقاء السياسي، حيث تصبح حقوق الشعب الكردي مجرد ورقة تفاوضية لضمان استمرار التنظيم ودوره المحوري في خارطة القوى الإقليمية.

