يرسم الخبير الاقتصادي والمحلل السياسي التركي، البروفيسور إبراهيم أوزتورك، ملامح مشهد سياسي واقتصادي معقد يمر به الداخل التركي ومحيطه الإقليمي، معتبراً أن التحركات الأخيرة تتجاوز التفسيرات التقليدية لتصب في خانة هندسة “الشرق الأوسط الكبير”.
أبعاد صفقة “محمد صلاح” السياسية والأمنية
في تحليل قدمه عبر موقع يوتيوب، يرى البروفيسور إبراهيم أوزتورك أن انتقال النجم المصري محمد صلاح إلى نادي “طرابزون سبور” ليس مجرد حدث رياضي استثنائي، بل هو مشروع سياسي استراتيجي صاغه رجب طيب أردوغان، وتتجاوز أهدافه حدود الملاعب لتصل إلى عمق “مشروع الشرق الأوسط الكبير”. ويحلل أوزتورك هذه الصفقة بوصفها “عملية تخدير” سياسية موجهة لمجتمع منطقة البحر الأسود، تهدف إلى تمرير أجندات داخلية حساسة.
وفي تفصيل هذه الأجندات، يشير أوزتورك إلى أن التوقيت تزامن مع طرح “قانون عفو” في البرلمان يشمل قيادات في منظمة العمال الكردستاني، وهو أمر كان من شأنه أن يثير غضباً شعبياً عارماً في طرابزون، معقل القومية التركية. لذا، تم استخدام “بريق” صلاح لصرف الأنظار عن هذا العفو وتجنب محاسبة السلطة على دماء شباب المنطقة الذين سقطوا في الصراع مع مسلحي العمال الكردستاني. ومن جهة أخرى، يرى أوزتورك أن الصفقة تهدف إلى كسر “العداء للعرب” الذي بدأ يتنامى في الشمال التركي نتيجة التضخم والاحتكاك المباشر مع السياح، مما يهدد استثمارات ضخمة؛ فوجود أيقونة مثل صلاح يعيد خلق “وهم الأخوة” مع العرب لتنشيط السياحة المنهكة.
أما على الصعيد الدبلوماسي، فيعتقد أوزتورك أن أردوغان يستخدم صلاح كجسر تواصل غير مباشر مع الرئيس المصري السيسي، لتجاوز الخلافات العميقة وتهيئة الرأي العام المصري والتركي لتقارب تفرضه الحاجة الاقتصادية والسياسية التركية، مؤكداً أن تمويل هذه الصفقة الضخمة لم يأتِ من خزينة النادي، بل من “الصناديق السوداء” والميزانيات السرية للدولة.
اتفاق مكة: ولادة “الناتو السني” بصبغة أمريكية
ينتقل البروفيسور أوزتورك لتحليل الاتفاقية الدفاعية المشتركة التي وقعتها تركيا والسعودية وباكستان في مكة، واصفاً إياها بأنها “اتفاقية خيانة” نُفذت تحت غطاء القداسة. ويذهب أوزتورك إلى أن اختيار مكة ويوم الجمعة ليس سوى محاولة لاستغلال الرموز الدينية لتمرير مشروع هو في جوهره النسخة الإسلامية من “اتفاقيات أبراهام” التي لم يستطع أردوغان الانضمام إليها صراحةً.
ويؤكد المحلل التركي أن الهدف الحقيقي لهذا المحور، الذي يصفه بـ “الناتو السني”، هو حصار إيران وتأمين الحماية لإسرائيل برعاية أمريكية كاملة، خاصة مع اقتراب عودة ترامب للسلطة بعد الانتخابات المقبلة. ويشكك أوزتورك في فاعلية هذا الحلف عسكرياً، مشيراً إلى أن السعودية تعتمد كلياً على السلاح والقرار الأمريكي، وباكستان غارقة في أزماتها وتخضع مدخلات صناعتها العسكرية لقيود واشنطن، مما يجعل الحديث عن “القنبلة الذرية” أو القوة المشتركة مجرد بروبغاندا للاستهلاك المحلي.
الموقف المصري من التحالف الثلاثي
يرى البروفيسور إبراهيم أوزتورك أن غياب مصر عن “اتفاقية مكة” الدفاعية المشتركة، التي ضمت تركيا والسعودية وباكستان، ليس مجرد صدفة بروتوكولية، بل هو قرار استراتيجي نابع من قراءة مصرية دقيقة للتوازنات الدولية والمحلية، متطرقا إلى الأسباب التي دفعت القاهرة لتجنب هذا الحلف.
الاستقلالية الاستراتيجية وموازنة المصالح الدولية
يؤكد البروفيسور أوزتورك أن الدولة المصرية، بقيادة السيسي، تتبنى حالياً وضعية أكثر “استقلالية” و”توازناً” مقارنة بالوضعية التركية الراهنة؛ حيث يرى أن القاهرة تحرص على عدم السقوط في فخ التبعية الكاملة لأجندات معينة، وهي تراقب بدقة موازين القوى الدولية. ووفقاً لتحليله، فإن مصر لا تريد الانخراط في أحلاف قد تُفسر على أنها ارتماء كامل في أحضان مشاريع إقليمية برعاية أمريكية، مفضلةً الحفاظ على هامش حركة يخدم مصالحها القومية أولاً.
الحفاظ على الشراكات الاقتصادية مع القوى الصاعدة (الصين والهند)
يشير أوزتورك إلى أن أحد المحركات الأساسية للموقف المصري هو حجم الاستثمارات الضخمة والاتفاقيات المليارية التي تربط القاهرة بكل من الصين والهند. فبينما يرى أوزتورك أن أردوغان خسر علاقاته مع الهند نتيجة “اندفاعه” غير المحسوب نحو باكستان، مما دفع الهند للتقارب مع إسرائيل واتخاذ مواقف معادية لتركيا، فإن السيسي يتصرف كقائد يحسب خطواته بدقة، مدركاً أن الانضمام إلى “حلف مكة” الموجه ضد أطراف إقليمية قد يضر بعلاقات مصر المتنامية مع نيودلهي وبكين.
أزمة الثقة العميقة في القيادة التركية
يفسر البروفيسور أوزتورك التوجس المصري بوجود “فجوة ثقة” هائلة تجاه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان؛ حيث يعتقد السيسي أن أي تقارب استراتيجي مع القيادة التركية الحالية قد ينطوي على مخاطر سياسية، ويؤدي إلى “فقدان الثقة” لدى شركاء مصر الآخرين على الساحة الدولية. ويرى أوزتورك أن مصر تدرك تماماً التقلبات في المواقف التركية، وبالتالي فهي لا تريد أن تكون “أداة” في مشاريع أردوغان الإقليمية التي تهدف بالأساس إلى تثبيت سلطته الداخلية أو الخروج من أزماته السياسية.
تجنب الاستقطاب الطائفي والصدام مع إيران
يوضح أوزتورك أن مصر تخشى من التبعات الداخلية والإقليمية للانضمام إلى حلف يُنظر إليه على أنه “ناتو سني” يستهدف محاصرة إيران. ويرى المحلل التركي أن القيادة المصرية تضع في اعتبارها أن الانخراط في مثل هذا الاستقطاب الحاد قد يؤدي إلى “انقسامات” واضطرابات داخل المجتمع المصري نفسه، بالإضافة إلى رغبة القاهرة في عدم الدخول في صدام مباشر مع طهران في توقيت تسعى فيه القوى الدولية لإعادة صياغة المنطقة.
صفقة “صلاح” كمحاولة تركية للتقارب المتعثر
يربط البروفيسور أوزتورك بين هذا الرفض المصري وبين صفقة انتقال محمد صلاح إلى نادي طرابزون سبور؛ معتبراً إياها محاولة من أردوغان لاستخدام “القوة الناعمة” والرموز المصرية لخلق بيئة إيجابية لدى الرأي العام المصري، تمهيداً لإقناع القيادة المصرية بالانخراط مستقبلاً في تحالفاته. ومع ذلك، يشدد أوزتورك على أن مصر ليست “لقمة سائغة” أو طرفاً يمكن التلاعب به عبر الرموز الرياضية فقط، طالما أن الحسابات الاستراتيجية الكبرى لا تصب في مصلحتها.
التناقضات القانونية وقانون العفو المثير للجدل
يكشف أوزتورك عما يصفه بـ”المهزلة القانونية” في الداخل التركي، حيث يتم إجبار نواب حزب العدالة والتنمية على التوقيع على بياض لتمرير قانون إطار للعفو عن مسلحي الكردستاني، مع إضافة بنود تمنح الحصانة الكاملة للمسؤولين المنفذين لهذه الأوامر من أي ملاحقة قضائية مستقبلية. وفي هذا السياق، يستنكر أوزتورك الازدواجية في التعامل؛ فبينما يُمنح العفو لمن حمل السلاح، يُلاحق الأكاديميون والمدنيون بتهم الإرهاب لأسباب واهية، مثل التبرع لجمعية “أحباب” الإغاثية المرخصة أو الإيداع في بنك “آسيا” المرخصين.
ويشير أوزتورك إلى أن السلطة تستخدم المؤسسة الدينية “ديانت” لشرعنة هذه التوجهات، عبر قراءة آيات في الخطب ترهب الناس من ضياع الدولة إذا لم يطيعوا الحاكم، في توظيف سياسي واضح للدين لخدمة “مشروع الخيانة”.
العاصفة الاقتصادية والانتخابات المبكرة
في الملف الاقتصادي، يقدم البروفيسور أوزتورك قراءة متشائمة للأرقام الرسمية، مبيناً الفجوة الهائلة بين توقعات الشارع (45%) والشركات (32%) والبنك المركزي (24%). ويرى أن تآكل الثقة هو المحرك الأساسي للاقتصاد حالياً، معتبراً أن سياسة الفائدة المرتفعة لم تعد تجدي نفعاً، بل تحولت تركيا إلى جنة للمضاربات العالمية التي تستنزف الثروة الوطنية.
ويتوقع أوزتورك بوضوح أن تركيا تتجه نحو “أزمة عملة” طاحنة وديالواسيون (تخفيض قيمة العملة) وشيك، مما سيعيد التضخم إلى مستويات قياسية (70-80%). وبناءً على معلومات من كواليس أنقرة، يؤكد أن الحديث عن انتخابات مبكرة بدأ يتصاعد، ناصحاً المواطنين بالتحوط بالعملات الأجنبية قبل فوات الأوان.
خيبة الأمل في المعارضة الجديدة
يختم البروفيسور إبراهيم أوزتورك تحليله بانتقاد حاد للمعارضة التركية، سواء “الحزب الجديد” بقيادة أوزغور أوزيل، متهماً إياهم بـ”التواطؤ الصامت” أو العجز عن كشف حقائق هذه المشاريع الكبرى للشعب. ويحذر أوزتورك المكون الكردي من الوثوق بوعود “دولت بهجلي” أو أردوغان، معتبراً أن هذه المناورات تهدف فقط لإلغاء قيود فترات الرئاسة وتثبيت حكم أردوغان، دون أي نية حقيقية لتحقيق ديمقراطية شاملة أو عدالة انتقالية.

