شهدت الأروقة السياسية التركية حراكاً محتدماً عقب مصادقة لجنة العدل البرلمانية على مقترح قانون “تعزيز التضامن الوطني والتماسك الاجتماعي”، المعروف إعلامياً بـ “قانون الإطار”، وذلك بعد جلسة ماراثونية استمرت لأكثر من سبع عشرة ساعة.
وفي هذا السياق، قدم الحزب الجيد مذكرة اعتراضية شديدة اللهجة، وقعها كل من نائب رئيس الحزب والنائب عن ولاية أفيون قره حصار “هاكان شرف أولغون”، ورئيس المجموعة البرلمانية للحزب والنائب عن أنطاليا “أوغور بويراز”، حيث وصفت المذكرة النص المقترح بأنه “وثيقة خيانة” تمس جوهر الدولة التركية.
جوهر الاعتراض: عفو مقنّع تحت مسمى “التأجيل“
تتمحور الرؤية النقدية للحزب الجيد حول اعتبار هذا التشريع بمثابة “عفو عام” مستتر، يهدف إلى منح حصانة لمرتكبي الجرائم الإرهابية بعيداً عن القواعد الدستورية الصارمة. وترى المذكرة أن المادة السادسة من المقترح، التي تنص على تأجيل تنفيذ الأحكام النهائية لمدة تتراوح بين خمس وعشر سنوات، واعتبار العقوبة منتهية بمرور هذه الفترة، ليست في الحقيقة إلا “عفواً خاصاً مشروطاً”.
ويؤكد الحزب أن هذا الالتفاف التشريعي يسعى لتجاوز المادة السابعة والثمانين من الدستور التركي، والتي تشترط أغلبية موصوفة (ثلاثة أخماس البرلمان) لإقرار قوانين العفو. وبدلاً من مواجهة هذه المتطلبات، تم اللجوء إلى مصطلحات مثل “التأجيل” لتسهيل مرور القانون، مما يفتح الباب أمام سقوط التحقيقات والملاحقات القضائية، ورفع الحرمان من الحقوق المدنية والسياسية بشكل مبكر.
تغول السلطة التنفيذية على الجهاز القضائي
أثارت المادة السابعة من المقترح قلقاً قانونياً بالغاً لدى الحزب الجيد، حيث تقضي بإنشاء “مجلس” برئاسة نائب رئيس الجمهورية، يمتلك صلاحيات تقريرية واسعة في قضايا العدالة الجنائية والحقوق الأساسية. ويضم هذا المجلس وزراء العدل، والخارجية، والداخلية، والدفاع الوطني، بالإضافة إلى الأمين العام للرئاسة، ورئيس جهاز الاستخبارات الوطني (MİT)، والأمين العام لمجلس الأمن القومي.
ويشير الحزب إلى أن هذه البنية السياسية الخالصة تجعل من السلطة التنفيذية هي المهيمنة على مسار القضايا المرتبطة بالإرهاب، حيث يشترط القانون الجديد إذن هذا المجلس لبدء التحقيقات في الجرائم السابقة، ويفرض على الجهات القضائية مسارات محددة للإلغاء أو النقض. وبذلك، ينشأ نظام “عدالة استثنائي” يمنح القائمين على العملية حصانات واسعة من المساءلة القانونية، مما يفرغ مبدأ استقلال القضاء من محتواه.
اختلال التوازن بين الجاني والضحية
في تحليل اجتماعي وأخلاقي للقانون، ترى مذكرة الحزب الجيد أن المقترح يقلب موازين العدالة من خلال منح تسهيلات وآليات قانونية للجناة، في مقابل تجاهل تام لحقوق الضحايا. فبينما يتم توفير مسارات ميسرة للتخفيف من العقوبات، يغيب عن النص أي ذكر لآليات التعويض، أو كشف الحقيقة، أو منح حقوق اجتماعية جديدة لأسر الشهداء والمصابين والمتضررين من الإرهاب.
وتنتقد المذكرة بشدة استبعاد المنظمات التي تمثل أسر الشهداء والمحاربين القدامى، بالإضافة إلى الأكاديميين والخبراء الأمنيين، من المشاركة في أعمال لجنة العدل، مما أدى إلى فقدان “التوازن الوجداني” في العملية التشريعية.
التبعات الدستورية والأمنية وتجاهل “خزانة الإرهاب“
تؤكد المذكرة أن المقترح ينتهك حزمة واسعة من المواد الدستورية (لاسيما المواد 2، 3، 5، 6، 7، 8، 9، 10، 11، 14، 36، و138)، والتي تتعلق بخصائص الجمهورية، ووحدة الدولة، وسيادة القانون، وحق المحاكمة العادلة. وترى المعارضة أن نزع سلاح المنظمات الإرهابية هو واجب على الدولة، لكن ذلك لا ينبغي أن يقترن بمحو المسؤولية الجنائية عن الجرائم المرتكبة في الماضي.
علاوة على ذلك، لفت الحزب الجيد الانتباه إلى ثغرة اقتصادية في القانون، حيث لم يتضمن أي نصوص تنظم مصير الأصول المالية والممتلكات التابعة لتنظيم (PKK). وتساءلت المذكرة عن غياب الآليات القانونية لتصفية هذه القوة الاقتصادية أو تحويلها لجبر ضرر الضحايا، مما يترك تساؤلات حول كيفية ضمان عدم استخدام هذه الموارد مستقبلاً.
كواليس التشريع والاعتراضات الإجرائية
لم يقتصر نقد الحزب على المضمون، بل شمل آليات العمل البرلماني التي وصفت بأنها محاولة لتقليص دور المعارضة. فبعد جلسة نقاشية طويلة، لم تُمنح المعارضة سوى ساعتين فقط لإعداد مذكراتها الاعتراضية، وهو وقت لا يتناسب مع خطورة القانون وحجمه. كما سجل الحزب اعتراضات بشأن ضيق قاعات الاجتماعات، وعدم توفير البث المباشر، ورفض إحالة المقترح إلى لجان فرعية أو لجنة الدستور لمزيد من الفحص.
تخليد ذكرى الضحايا: رسالة سياسية ووجدانية
في خطوة رمزية لافتة، ضمت المذكرة الاعتراضية قائمة بأسماء سبعة آلاف وخمسمائة وثلاثة وستين (7,563) شهيداً من العسكريين، ورجال الشرطة، وحراس القرى، والمدنيين الذين سقطوا في مواجهات مع تنظيم العمال الكردستاني والتنظيمات المرتبطة به. وجاء في ختام المذكرة أن هذا العمل هو “إهداء لذكرى الشهداء الأبرار، ودموع اليتامى، وآلام الأسر التي فقدت أبناءها”، معتبرة أن حقوق هؤلاء تظل أمانة في ذمة الأمة التركية ولا تسقط بأي تشريع يهدف للعفو عن مرتكبي تلك الجرائم.

