كشف الصحفي الاستقصائي التركي جوهري جوفين عن معلومات وصفها بأنها بالغة الحساسية بشأن عملية استخبارية أحبطت مخططاً لاغتيال شخصية بارزة في عالم الجريمة المنظمة بتركيا.
وبحسب رواية جوفين، تمكن جهاز الاستخبارات الوطنية التركية (MİT) من رصد فريق اغتيال مسلح وتعقبه، قبل أن ينفذ مهمته بوقت قصير، في عملية أمنية بقيت تفاصيلها بعيداً عن التغطية الإعلامية الرسمية.
ووفقاً لما أورده جوفين، كان الفريق، المؤلف من أربعة أشخاص، قد اتخذ من مرآب المبنى الذي يوجد فيه مكتب سميح طوفان جول ألتاي موقعاً لتنفيذ الهجوم، بعدما تنكر أفراده بزي عمال صيانة المصاعد واستخدموا سيارة تحمل لوحات مزورة. ويقول الصحفي إن العملية الاستخبارية نُفذت قبل نحو ساعة من الموعد المتوقع لوصول الهدف، وانتهت بإحباط المخطط وتوقيف عدد من المشتبه بهم.
لكن إفصاح جوفين يتجاوز تفاصيل محاولة الاغتيال نفسها، إذ يربطها بسلسلة من الملفات الأمنية والقضائية شديدة الحساسية، من بينها وفاة مسؤول الاستخبارات كاشف كوزين أوغلو داخل سجن سلفري، وعلاقة شخصيات قومية ونافذة بالملف، وقضايا ضباط الاستخبارات السابقين، وصولاً إلى صراعات الجريمة المنظمة التي امتدت إلى أوروبا.
وتطرح رواية الصحفي الاستقصائي تساؤلات أوسع حول طبيعة الصراعات داخل دوائر النفوذ والأمن في تركيا، وحول استخدام الملفات الاستخبارية والقضائية في إعادة تشكيل موازين القوى بين الأطراف المتنافسة.
تفاصيل الحدث وخيوط الهندسة
تشهد الساحة السياسية والأمنية في تركيا تحركات متسارعة تعكس حجم التفاعلات المعقدة بين أجهزة السيادة ومجموعات النفوذ داخل ما يُعرف بالدولة العميقة. وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي التركي جوهري جوفين أن السلطة الحاكمة تعيد فتح ملفات الاغتيالات الحساسة وتوظيف المداهمات الاستخبارية المكتومة كأدوات ضغط ومساومة لإعادة ترتيب التوازنات الداخلية وإخضاع الأطراف المتمردة أو المنافسة.
المحور الأول: عملية المرآب المكتومة – كواليس استهداف سميح طوفان جول ألتاي
ساعة الصفر وتكتيك التخفي
كشف المحلل السياسي جوهري جوفين عن تنفيذ جهاز الاستخبارات الوطني التركي (MİT) عملية أمنية خاطفة وخاصة قبل نحو ساعة واحدة فقط من وصول الأهداف المحددة. وقد استهدفت المداهمة فريق اغتيال محترفاً مكوّناً من أربعة عناصر تنكروا بزي عمال صيانة المصاعد، وكانوا يتمركزون داخل سيارة مُبدلة اللوحات في مرآب البناية التي يقع فيها مكتب القيادي البارز في العالم السفلي سميح طوفان جول ألتاي، مجهزين بأسلحة رشاشة ثقيلة لتنفيذ عملية تصفية جسدية حاسمة.
الرصد الاحترافي وأسلوب الدولة العميقة
أوضح جوهري جوفين أن فريق الاغتيال عمل وفق أعلى درجات الاحترافية الخاصة بعمليات التصفية المباشرة؛ حيث قام العناصر بمراقبة جول ألتاي لعدة أيام، ورصدوا خطوط سيره بدقة، بل واستأجروا مقرات داخل المبنى نفسه لتسهيل تنفيذ الجريمة دون ترك آثار. غير أن الاستخبارات التركية تعقبت الفريق خطوة بخطوة حتى تمكنت من إحباط المخطط والقبض على العناصر متلبسين بأسلحتهم.
التكتم الحكومي ودوافع الصمت الإعلامي
أشار جوهري جوفين إلى أن العملية أسفرت عن اعتقال خمسة عشر شخصاً بعد توسيع نطاق التحقيقات وإخضاع الموقوفين لاستجوابات مشددة، وصدرت بحقهم جميعاً قرارات توقيف قضائية. ورغم ضخامة الحدث، فرضت وزارة العدل ووزارة الداخلية والادعاء العام تكتمًا إعلامياً مطلقاً دون صدور بيان رسمي واحد. ويسلط جوفين الضوء على أن هذا الصمت يتعارض مع الممارسات الاعتيادية للوزارات التي تحتفي بالعمليات البسيطة، مما يؤكد أن الملف يخضع لمساومات سياسية ثقيلة خلف الكواليس.
الملف التاريخي لسميح طوفان جول ألتاي
يُعد سميح طوفان جول ألتاي شخصية بارزة في أوساط العالم السفلي؛ إذ ترأس سابقاً تنظيم “لواء الانتقام التركي”، وقاد عملية إطلاق النار على رئيس جمعية حقوق الإنسان أكين بيردال في تسعينيات القرن الماضي. كما أُمضى سنوات طويلة في السجن، وكان نزيلاً في نفس الزنزانة مع زعيم حزب الوطن دوغو برينجيك خلال تحقيقات قضية تنظيم أرغنيكون (الدولة العميقة).
المحور الثاني: لغز مقتل كاشف كوزين أوغلو وحقيقة التصفية داخل السجن
الشهادة المفتاحية وتأكيد التسميم
يُعتبر جول ألتاي الشاهد الأبرز والأول في ملف وفاة مسئول الاستخبارات التركية البارز كاشف كوزين أوغلو داخل سجن سلفري عام ٢٠١١. وينقل جوهري جوفين أن جول ألتاي يؤكد في تسجيل مصور منذ أكثر من ست سنوات أن كوزين أوغلو لم يمت نتيجة نوبة قلبية، بل تعرض للتسميم عبر قرص دوائي قدمه له الضابط العسكري السابق حسن أتيلا أوغور. ويستند جول ألتاي في ذلك إلى مقطع مصور أطلقه السجين السابق حسن أتامان يلدريم الذي كان متواجداً في نفس المكان وشهد الواقعة.
سيناريو النقل وسرقة الوثائق
يبين جوهري جوفين أن إدارة سجن سلفري، بتنسيق مع مسؤولي الحراسة الموالين للتيار الأوراسي ومجموعة دوغو برينجيك، نقلت كوزين أوغلو إلى زنزانة واحدة مع حسن أتيلا أوغور رغم الخصومة الشديدة بين الطرفين. وعقب وفاة كوزين أوغلو الغامضة، جرى الاستيلاء على مذكراته وشبكة أوراقه الواقعة في نحو ألف صفحة، ونُشرت أجزاء معالجة منها لاحقاً في صحيفة “أيدينليك” التابعة لبرنجيك.
العداء التاريخي والبلاغات القضائية
تعود جذور الصراع إلى عام ١٩٩٨ عندما كشف برنجيك هوية كوزين أوغلو كعنصر استخباري في صحيفته. وفي عام ٢٠٠٤، قدم برنجيك بلاغاً رسمياً يدعي فيه أن كوزين أوغلو يسعى لتسميمه وقتله. وبعد وفاة كوزين أوغلو، رفعت عائلة كوزين أوغلو دعاوى قضائية ضد برنجيك وصحيفته بتهمة سرقة وتسريب الوثائق والشخصية.
المحور الثالث: هندسة المساومات وتدجين التيار القومي والوطني
إعادة فتح التحقيق وسلوك برنجيك المفاجئ
مع إعادة فتح الادعاء العام لملف كوزين أوغلو واستدعاء حسن أتيلا أوغور ودوغو برنجيك للإدلاء بشهاداتهما، لاحظ المحلل السياسي جوهري جوفين تحولاً لافتاً في سلوك برنجيك. فبعد أن كان يستغل أي مراجعة قضائية لإحداث ضجة إعلامية، التزم الصمت والتزم بقرار سرية التحقيق، مكتفياً بتغريدات خافتة وصف فيها كوزين أوغلو بـ”الكادر القومي الثمين”، بينما خلت صحيفة “أيدينليك” تماماً من تفاصيل إفادته.
تكتيك الإخضاع السياسي
يرى جوهري جوفين أن السلطة الرئاسية تستخدم الملفات الجنائية واختراق فرق الاغتيال كأداة لـ “ترويض” التكتلات القومية والوطنية العلمانية واليمينية المتغلغلة في مؤسسات الدولة. ويقارن جوفين هذه التطورات بملف اغتيال نجيب هابلميت أوغلو، حيث أدى احتجاز عناصر القوات الخاصة والضغط على القادة العسكريين والسياسيين إلى إجبار تلك المجموعات على الانصياع التام والتحالف مع السلطة.
تسييس القضاء وخلفيات المدعي العام
يكشف جوهري جوفين عن الخلفية السياسية لمدعي عام القضية، أبو بكر إفي، مشيراً إلى ارتباطه الوثيق بحزب الحركة القومية (MHP)، وحرصه على زيارة قيادات الحزب مثل عضو الهيئة التنفيذية حياتي أركاز برفقة رئيس مدعي سلفري. ويوضح جوفين أن فتح التحقيق لا يهدف إلى التوصل للعدالة المجردة، بل يخدم أغراض المساومة بين أردوغان والتحالف القومي وضبط نفوذ التيار القومي والوطني.
محاولات التغطية ودور راسم أوزان كوتاهيالي
يتطرق جوهري جوفين إلى محاولات الكاتب راسم أوزان كوتاهيالي – الملاحق في قضايا سرقة السيارات وغسيل الأموال – للدفاع عن برنجيك ونفي علاقته بحسن أتيلا أوغور. ويؤكد جوفين بطلان هذه المحاولات بالإشارة إلى أن أوغور كان نائباً لرئيس حزب برنجيك، مستشهداً ببيانات رئيس دائرة مكافحة الإرهاب الأسبق في الاستخبارات محمد أيمور، الذي أكد أن التحقيق والمحاكمة اللذين أُجريا لـعبد الله أوجلان كانا تحت إدارة عناصر ينتمون لتيار برينجيك الأوراسي.
المحور الرابع: ملف أنفر ألطايلي واستهداف رجال الاستخبارات الحقيقيين
التنكيل بالضباط القدامى
يسلط جوهري جوفين الضوء على حالة ضابط الاستخبارات الأسبق أنفر ألطايلي (البالغ من العمر اثنين وثمانين عاماً والمحتجز منذ عشر سنوات). فقد أُحضر ألطايلي من أنقرة إلى سيليفري داخل سيارة نقل السجناء الضيقة (“التابوت”) وسط ظروف صحية قاسية وإصابته بالتهاب حاد، متجاهلين تقارير أطباء السجن التي حذرت من خطورة النقل على حياته، وذلك لمجرد طرح ثلاثة أسئلة شفهية شكلية حول قضية كوزين أوغلو.
تزوير الأدلة والعبث بالأجهزة الرقمية
قدم ألطايلي دفاعاً مكتوباً من عشرين صفحة كشف فيه تفاصيل المخطط المنظم ضده، غير أن الادعاء العام رفض إدراج شهادته في المحاضر الرسمية وسرب رواية مجتزأة لوسائل الإعلام. وأثبت الخبراء القانونيون العبث بهواتفه وأجهزته الرقمية التي استولت عليها الشرطة ولم تأخذ نسختها الرقمية إلا بعد أربعين يوماً، استخدمت خلالها الأجهزة في تصفح الإنترنت واستقبال الرسائل، مما يفقد الأدلة مشروعيتها القانونية. كما فُنّدت ادعاءات “المذكرة المكتوبة” حول مراقبة كوزين أوغلو لعشرين عنصراً استخبارياً وسبعة جنرالات، بنفي رسمي من جهاز الاستخبارات وهيئة الأركان العامة.
استهداف كاشفي المخططات الروسية
يكشف جوهري جوفين عن مفارقة كبيرة في المشهد الأمني التركي؛ فقد احتجزت السلطات الضابط الاستخباري ألطايلي الذي حصل سابقاً على وثيقة رسمية سرية تكشف مخططات الحكومة الروسية ضد تركيا وسلمها لرئيس الوزراء والجهاز الاستخباري. في المقابل، يحظى الشخصيات المقربة من موسكو مثل سونير يالتشين ودوغو برينجيك بالحماية والنفوذ، رغم ضبط وثائق استخبارية حقيقية لدى مجموعاتهم الإعلامية.
تظهر المعطيات والمتابعات التحليلية التي قدمها المحلل السياسي جوهري جوفين أن المشهد السياسي والأمني التركي يتداخل فيه عمل أجهزة الاستخبارات مع صراعات الدولة العميقة. وتظل عمليات الإفصاح عن فرق الاغتيال وفتح الملفات القضائية القديمة أدوات تُدار بها معادلات الضغط والمساومة وتصفية الحسابات السياسية بين أجنحة السلطة والنفوذ.

