قبل أسابيع من استضافة تركيا مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ COP31 في أنطاليا، دخلت البلاد مرحلة جديدة في تنظيم التمويل والاستثمار المرتبطين بالتحول الأخضر، بعد نشر لائحة التصنيف الأخضر التركي في الجريدة الرسمية.
وتضع اللائحة إطاراً وطنياً لتحديد الأنشطة الاقتصادية التي يمكن اعتبارها مستدامة بيئياً، كما تحدد الطريقة التي تقيس بها الشركات والمؤسسات المالية حجم ارتباط أعمالها بالأنشطة الخضراء. ويستهدف النظام، في الوقت نفسه، الحد من ظاهرة «الغسل الأخضر»، أي تقديم منتجات أو استثمارات على أنها صديقة للبيئة من دون استناد ذلك إلى معايير قابلة للتحقق.
وتكمن أهمية الخطوة في أنها لا تقتصر على وضع تعريف نظري للاستثمار الأخضر، بل تنشئ لغة مشتركة يمكن أن تستخدمها الشركات والبنوك والمستثمرون عند تقييم المشاريع المؤهلة للحصول على التمويل المستدام.
ستة أهداف بيئية وثلاثة شروط أساسية
تعتمد اللائحة الجديدة على ستة أهداف بيئية تشمل خفض انبعاثات غازات الدفيئة، والتكيف مع تغير المناخ، والاستخدام المستدام لموارد المياه والموارد البحرية وحمايتها، والانتقال إلى الاقتصاد الدائري، ومنع التلوث والسيطرة عليه، إضافة إلى حماية التنوع البيولوجي والنظم البيئية واستعادتها.
ولا يكفي أن يرتبط النشاط بأحد هذه المجالات حتى يحصل تلقائياً على صفة «أخضر». إذ تشترط اللائحة أن يحقق النشاط مساهمة جوهرية في هدف بيئي واحد على الأقل، وألا يلحق ضرراً كبيراً بأي هدف بيئي آخر، وأن يلتزم في الوقت نفسه بحد أدنى من ضمانات الحماية الاجتماعية.
وتشمل الضمانات الاجتماعية مبادئ وحقوق العمل الأساسية، وحقوق الإنسان، والمعايير ذات الصلة بالشركات متعددة الجنسيات، ومبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بالأعمال التجارية وحقوق الإنسان، إلى جانب التشريعات التركية الخاصة بالعمل والضمان الاجتماعي.
وبذلك تحاول تركيا بناء تصنيف لا ينظر إلى الأثر البيئي للنشاط بمعزل عن ظروف العمل والحقوق الاجتماعية المرتبطة به.
137 نشاطاً اقتصادياً في 16 قطاعاً
يغطي النظام 137 نشاطاً اقتصادياً ضمن 16 قطاعاً. وأضيف قطاعا الزراعة والسياحة بصورة خاصة بما يعكس تركيب الاقتصاد التركي وأهميتهما داخله.
وستتمكن الشركات من قياس أدائها الأخضر من خلال احتساب حصة إيراداتها، وإنفاقها الرأسمالي، ومصروفاتها التشغيلية المرتبطة بالأنشطة التي تدخل ضمن التصنيف أو تستوفي معاييره.
وهذا التفصيل مهم من الناحية المالية، لأنه يسمح بتحويل مفهوم «التحول الأخضر» من شعار عام إلى مؤشرات يمكن للبنوك والمستثمرين استخدامها عند دراسة الشركات والمشاريع.
كما تنص القواعد الفنية على استبعاد الأنشطة المرتبطة بالوقود الأحفوري الصلب من فئة الأنشطة المستدامة بيئياً. وستتولى رئاسة تغير المناخ التركية نشر معايير الفحص الفني وتحديثها عندما تتغير المعايير العلمية والتكنولوجية.
البنوك ستكون بوابة التطبيق الأوسع
لن يبدأ الالتزام الإلزامي بإعداد التقارير بالنسبة إلى المؤسسات المالية فوراً. فاللائحة تجعل الإبلاغ إلزامياً في نهاية المطاف على البنوك وشركات الوساطة وشركات الاستثمار وإدارة المحافظ وشركات التأمين وإعادة التأمين وصناديق التقاعد، لكن المؤسسات المالية لن تكون مطالبة بالتقارير قبل يناير/كانون الثاني ٢٠٢٩.
أما الشركات غير المالية فلا تخضع لالتزام شامل مماثل بالإبلاغ. غير أن البنوك والمؤسسات المالية تستطيع مطالبة الشركات التي تتقدم للحصول على تمويل أخضر بتقديم تقارير تستند إلى التصنيف.
وهذا يعني أن تأثير النظام قد يتجاوز بكثير عدد المؤسسات الملزمة رسمياً بالتقارير. فالشركة التي تريد الوصول إلى تمويل أخضر قد تجد نفسها مضطرة عملياً إلى قياس أنشطتها وفق المعايير الجديدة حتى لو لم تكن ضمن الفئات المفروض عليها الإبلاغ المباشر.
التصنيف الأخضر جزء من استراتيجية أوسع
تربط اللائحة صراحة بين التصنيف الأخضر وهدف تركيا للوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول 2053، كما تجعل دعم التمويل المستدام والوصول إلى الاستثمار الأخضر جزءاً من عملية التحول الاقتصادي.
وقال وزير البيئة والتخطيط العمراني وتغير المناخ مراد كوروم إن النظام يهدف إلى فتح المجال أمام الاستثمارات المستدامة وتسهيل وصول الصناعة التركية إلى التمويل الأخضر الدولي، معتبراً إياه خطوة إضافية في مسار التحول الأخضر في البلاد.
ومن الناحية الاقتصادية، يمكن أن تصبح المعايير الجديدة مهمة خصوصاً بالنسبة للشركات التركية التي تسعى إلى جذب رؤوس أموال دولية تشترط بصورة متزايدة بيانات واضحة حول الانبعاثات والأثر البيئي واستخدام الموارد.
COP31: اختبار السياسة المناخية التركية
تأتي هذه الخطوة في توقيت شديد الحساسية بالنسبة إلى أنقرة، إذ تستعد مدينة أنطاليا لاستضافة مؤتمر COP31 بين 9 و20 نوفمبر/تشرين الثاني 2026. وستتولى تركيا رئاسة المؤتمر وقيادة «أجندة العمل»، بينما تقود أستراليا المفاوضات الرسمية بموجب الترتيب الذي اتفق عليه البلدان.
وتقدم الرئاسة التركية للمؤتمر نفسها باعتبارها «مؤتمر تنفيذ»، مع التركيز على تحويل الالتزامات المناخية إلى مشروعات قابلة للتنفيذ والتمويل والقياس. وتشمل الأولويات المعلنة كهربة الاقتصاد، والاقتصاد الدائري والنفايات، والمدن والبنية التحتية القادرة على الصمود، والزراعة المستدامة، والتحول الصناعي الأخضر، والتمويل المناخي.
وفي أحدث عرض لأجندة COP31، طرح كوروم أهدافاً من بينها رفع حصة الكهرباء في استهلاك الطاقة إلى 35%، وخفض كثافة استخدام الطاقة في المباني، وتسريع الاقتصاد الدائري، إلى جانب مبادرات جديدة في النقل الأخضر والتقنيات النظيفة والذكاء الاصطناعي.
فجوة بين الطموح والواقع
لكن الصورة المناخية التركية لا تخلو من تناقضات. فقد ارتفعت انبعاثات غازات الدفيئة في تركيا خلال عام 2025 بنسبة 4.2%، وهي أكبر زيادة مئوية بين 16 دولة رئيسية ذات انبعاثات كبيرة رصدها مركز البحوث المشترك التابع للمفوضية الأوروبية، وفق البيانات التي أوردها التقرير.
وهنا تكمن أهمية اللائحة الجديدة: نجاحها لن يقاس فقط بعدد الأنشطة المصنفة «خضراء»، وإنما بمدى قدرتها على تغيير اتجاه تدفقات رأس المال والإنتاج والاستثمار نحو أنشطة أقل انبعاثاً وأكثر كفاءة في استخدام الموارد.
فإنشاء التصنيف يضع القاعدة التنظيمية، لكنه لا يضمن وحده خفض الانبعاثات. والاختبار الفعلي سيكون في كيفية تطبيق المعايير، وصرامة عمليات التحقق، وقدرة التمويل الأخضر على الوصول إلى المشاريع التي تحقق تحولاً حقيقياً، وليس مجرد إعادة تصنيف للأنشطة القائمة.
من استضافة المؤتمر إلى إعادة تشكيل التمويل
تضع تركيا نفسها بذلك أمام مسارين متوازيين: استضافة مؤتمر عالمي للمناخ، وبناء أدوات داخلية لإعادة توجيه الاقتصاد نحو الاستثمار الأخضر.
وإذا نجح التصنيف في توحيد المعايير وتقليص الادعاءات البيئية غير المدعومة بالأدلة، فقد يوفر للشركات التركية إطاراً أوضح للتعامل مع المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية. أما إذا بقيت الفجوة واسعة بين المعايير المعلنة ومسار الانبعاثات الفعلي، فسيظل السؤال قائماً حول مدى قدرة السياسة الجديدة على تحويل الطموحات المناخية إلى نتائج ملموسة.
وفي هذا السياق، لا تبدو لائحة التصنيف الأخضر مجرد إجراء تنظيمي منفصل، بل إحدى الأدوات التي تحاول أنقرة من خلالها ربط التمويل والمناخ والصناعة والاستثمار ضمن استراتيجية واحدة، قبل أن تتجه أنظار العالم إلى أنطاليا في نوفمبر المقبل.

