تحولت كلمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى مواجهة سياسية مباشرة مع تركيا، بعدما خصّص جانباً من خطابه لمهاجمة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، واتهامه بإيواء قيادات في حركة حماس، واصفاً إياه بـ«الطاغية».
وجاء التصعيد بعد يومين فقط من كلمة أردوغان أمام الجمعية العامة، التي دعا فيها المجتمع الدولي إلى زيادة الضغط على إسرائيل بسبب الحرب في غزة، وحث الدول التي لم تعترف بعد بدولة فلسطين على مراجعة مواقفها.
وخلال خطابه الخميس، اتهم نتنياهو تركيا بأنها أصبحت، على حد تعبيره، «ناشراً رئيسياً للأكاذيب المعادية للسامية»، قبل أن يقول عن أردوغان: «إنه طاغية، كما أنه يستضيف قادة حماس ».
ولم تمر الكلمة بهدوء داخل القاعة. فقد غادر عشرات المندوبين مقاعدهم أثناء خطاب نتنياهو، بينما صدرت هتافات واعتراضات من بعض الحاضرين، في حين وقف أعضاء الوفد الإسرائيلي وصفقوا لرئيس الوزراء.
أنقرة ترفض خطاب نتنياهو
ردت تركيا سريعاً على تصريحات نتنياهو، معتبرة أنها «اتهامات بلا أساس»، وأن استخدام منبر الجمعية العامة لمهاجمة أردوغان وتركيا يتعارض مع المبادئ التي يفترض أن تمثلها الأمم المتحدة، وفي مقدمتها السلام والقانون والحوار.
وقال مدير الاتصالات في الرئاسة التركية برهان الدين دوران إن تصريحات نتنياهو لا يمكنها، بحسب تعبيره، أن تحجب ما وصفه بالمجازر الإسرائيلية في غزة، أو الكارثة الإنسانية التي يشهدها القطاع، أو المسارات القضائية الدولية المرتبطة بالحرب.
ويعكس هذا التبادل الحاد اتساع الهوة السياسية بين أنقرة وتل أبيب، ولا سيما منذ اندلاع الحرب في غزة. فتركيا جعلت وقف الحرب والاعتراف بالدولة الفلسطينية محوراً ثابتاً في خطابها الدبلوماسي، بينما تواصل الحكومة الإسرائيلية الدفاع عن عملياتها العسكرية باعتبارها حرباً ضد حماس.
غزة في قلب الصدام التركي الإسرائيلي
كان أردوغان قد انتقد في خطابه أمام الجمعية العامة بنية النظام الدولي نفسه، داعياً إلى إصلاح مجلس الأمن، كما طالب بممارسة ضغوط دولية أكبر على إسرائيل لإنهاء ما وصفه بالكارثة الإنسانية في غزة. ودعا أيضاً الدول التي لم تعترف بدولة فلسطين إلى إعادة النظر في مواقفها.
وتأتي هذه المواقف في وقت لا تزال فيه تداعيات الحرب مستمرة رغم وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025. ووفق أحدث البيانات المنشورة من وزارة الصحة في غزة، بلغ عدد القتلى منذ بدء الحرب 73,928 شخصاً، فيما تجاوز عدد المصابين 175 ألفاً حتى 24 سبتمبر/أيلول 2026. كما سجلت الوزارة أكثر من 1,400 وفاة منذ وقف إطلاق النار، مع استمرار وجود ضحايا تحت الأنقاض وتعذر الوصول إلى بعضهم.
وتشير هذه الأرقام إلى أن وقف إطلاق النار لم ينهِ بصورة كاملة الخسائر البشرية أو الأزمة الإنسانية في القطاع، إذ استمرت حوادث القتل والإصابة، إلى جانب الدمار والنزوح ونقص الاحتياجات الأساسية.
الحرب أمام المحاكم الدولية
ولا يقتصر الجدل حول الحرب في غزة على الساحة السياسية. فما زالت العمليات الإسرائيلية موضع إجراءات أمام مؤسسات قضائية دولية، أبرزها القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، والتي تتهم إسرائيل بارتكاب أفعال تندرج ضمن اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.
ولا تزال القضية قيد النظر، ولم تصدر المحكمة حكماً نهائياً بشأن جوهر الاتهامات. وفي أحدث تطور إجرائي، أعلنت المحكمة في 22 سبتمبر/أيلول أن كولومبيا سحبت إعلان تدخلها في القضية، فيما تستمر الإجراءات والمواعيد القضائية المحددة من المحكمة.
في المقابل، ترفض إسرائيل اتهامات الإبادة الجماعية، وتقول إن عملياتها تستهدف حماس، التي حملتها مسؤولية استخدام مناطق مدنية في سياق الحرب.
من الخلاف الثنائي إلى صراع أوسع على الرواية
ويكشف التصعيد الأخير في الأمم المتحدة أن الخلاف بين تركيا وإسرائيل لم يعد محصوراً في العلاقات الثنائية، بل أصبح جزءاً من صراع أوسع حول مستقبل غزة والقضية الفلسطينية وحدود المسؤولية الدولية عن الحرب.
فبينما تستخدم أنقرة المنابر الدولية للضغط من أجل الاعتراف بفلسطين وإنهاء الحرب، يحاول نتنياهو مواجهة الانتقادات الدولية والدفاع عن السياسة الإسرائيلية، وتحويل جزء من النقاش نحو خصوم إسرائيل الإقليميين، وفي مقدمتهم تركيا.
وبذلك تحولت الجمعية العامة، مرة أخرى، إلى ساحة تعكس الانقسام الدولي حول غزة: خطاب إسرائيلي يركز على الأمن وحماس، وخطاب تركي يضع الكارثة الإنسانية والقضية الفلسطينية في مقدمة النقاش، فيما تواصل المؤسسات الدولية التعامل مع تداعيات الحرب سياسياً وإنسانياً وقضائياً.

