تتجه أنقرة وبيروت إلى توسيع التعاون في قطاع الطاقة، في وقت يحاول فيه لبنان معالجة واحدة من أكثر أزماته إلحاحاً: تأمين كهرباء مستقرة ومصادر غاز قادرة على تشغيل محطات التوليد.
وفي أحدث تحرك، التقى وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار وزير الطاقة والمياه اللبناني جوزيف الصدي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وتركزت المحادثات على ربط شبكات الكهرباء، والتعاون في مجال خطوط الأنابيب والهيدروكربونات، مع بحث إمكانية تحويل الخبرة التركية في البنية التحتية وتنويع مصادر الطاقة إلى مشاريع تتناسب مع احتياجات لبنان.
لكن اللافت أن الاجتماع لم ينتهِ، حتى الآن، إلى إعلان اتفاق نهائي أو تحديد مسار لخط أنابيب أو جدول زمني لتنفيذ مشروع محدد. لذلك تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى بلورة الخيارات الفنية والاقتصادية منها إلى إطلاق مشروع مكتمل.
أنقرة تفتح أكثر من مسار أمام بيروت
المحادثات الأخيرة ليست منفصلة عن لقاء عقد في أنقرة مطلع سبتمبر/أيلول، عندما زار الصدي تركيا والتقى بيرقدار.
وبحسب وزارة الطاقة والمياه اللبنانية، أبدى الجانب التركي اهتماماً بمجموعة واسعة من الملفات، تشمل ربط شبكات الكهرباء، وتزويد لبنان بالغاز، والتنقيب في البلوكات البحرية اللبنانية، والاستثمار في الطاقة الشمسية والطاقة النظيفة، إضافة إلى محطات التوليد التقليدية. واتفق الطرفان على تشكيل فرق عمل لمتابعة هذه الملفات.
وفي العاشر من سبتمبر/أيلول، أطلع الصدي الرئيس اللبناني جوزاف عون على نتائج اتصالاته المتعلقة بالكهرباء والنفط والغاز مع الأردن وسوريا والعراق وتركيا وقطر وقبرص، ما يعكس محاولة بيروت بناء شبكة إقليمية متعددة الأطراف لمعالجة أزمة الطاقة بدلاً من الاعتماد على مسار واحد.
أزمة الكهرباء هي المحرك الأساسي
تأتي هذه التحركات في ظل أزمة مزمنة في قطاع الكهرباء اللبناني. فقد أدت الأزمات المالية والاقتصادية المتراكمة إلى إضعاف قدرة مؤسسة كهرباء لبنان على توفير إمدادات مستقرة، ودفع ذلك الأسر والشركات إلى الاعتماد بدرجات متفاوتة على مولدات خاصة أكثر كلفة.
وفي سبتمبر/أيلول، بحثت الحكومة اللبنانية برنامجاً لتوفير الغاز لمحطات توليد الكهرباء ضمن صيغة شراكة بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب إنشاء وحدة عائمة لتخزين الغاز الطبيعي المسال وإعادة تغويزه، وتحديث محطة دير عمار للعمل بنظام الدورة المركبة.
وكان البنك الدولي قد وافق في عام 2024 على مشروع بقيمة 250 مليون دولار لدعم استعادة خدمات شبكة الكهرباء وتوسيع الطاقة المتجددة والإصلاحات في القطاع، مشيراً إلى أن الأزمات المتعاقبة أضعفت الوضعين التشغيلي والمالي للقطاع.
خط الغاز العربي يعود إلى الواجهة
في موازاة البحث مع تركيا، يعمل لبنان على إعادة تفعيل البنية التحتية القائمة للغاز.
وكان الصدي قد أعلن في مايو/أيار أن بيروت تعتزم إعادة تأهيل نحو 30 كيلومتراً من خط الغاز العربي الممتد بين محطة دير عمار والحدود السورية، بالتزامن مع التفاوض بشأن شراء الغاز وترتيبات نقله مع مصر والأردن وسوريا.
وفي 17 سبتمبر/أيلول، أعلنت وزارة الطاقة والمياه اللبنانية أن قطر قدمت منحة لاستكمال أعمال صيانة الجزء اللبناني من خط الغاز، وهو تطور يمكن أن يساعد في تهيئة البنية التحتية اللازمة لاستقبال الغاز عبر المسار الإقليمي.
وهنا تتقاطع المسارات التركية واللبنانية بصورة لافتة، لأن تركيا بدأت في أغسطس/آب 2025 إرسال الغاز إلى سوريا عبر خط أنابيب حدودي. كما كان بيرقدار قد أعلن في ديسمبر/كانون الأول 2024 أن تركيا تدرس إمكانية تصدير الكهرباء إلى لبنان، إذا سمحت شبكة النقل بذلك.
هل يمكن أن تصبح سوريا حلقة وصل؟
تمنح هذه التطورات البنية الإقليمية للطاقة أهمية خاصة. فوجود شبكات وخطوط قائمة بين تركيا وسوريا، إلى جانب مشروع إعادة تشغيل خط الغاز العربي، يفتح نظرياً مجالاً لربط أجزاء من منظومة الطاقة بين تركيا وسوريا ولبنان.
لكن من المهم الفصل بين الإمكان الجغرافي والمشروع المتفق عليه. فلا أنقرة ولا بيروت أعلنتا أن المشاريع التي نوقشت في نيويورك ستستخدم تحديداً خطوطاً تمر عبر سوريا، كما لم يتم الإعلان عن اتفاق نهائي بشأن مسار الكهرباء أو الغاز.
لذلك فإن القيمة الحالية للمحادثات تكمن في أنها تجمع عدة ملفات كانت تُبحث بصورة منفصلة: الكهرباء، والغاز، وخطوط الأنابيب، والاستثمار في مصادر الطاقة، وربما التنقيب البحري.
الطاقة تتحول إلى بوابة للتعاون الإقليمي
تأتي هذه التحركات في وقت تتعرض فيه أسواق الطاقة في المنطقة لضغوط إضافية بسبب اضطرابات الملاحة والإمدادات المرتبطة بأزمة مضيق هرمز. وتدفع هذه التطورات الدول إلى تنويع مصادرها ومسارات نقل الطاقة وتقليل الاعتماد على نقطة عبور واحدة.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى التعاون التركي اللبناني باعتباره جزءاً من إعادة تشكيل أوسع لخريطة الطاقة في شرق المتوسط والمشرق. بالنسبة إلى لبنان، يمثل تنويع مصادر الكهرباء والغاز محاولة لتقليص هشاشة قطاع يعاني منذ سنوات. أما بالنسبة إلى تركيا، فإن توسيع شبكات الربط والطاقة في محيطها الإقليمي ينسجم مع سعيها إلى تعزيز موقعها كممر ومركز لتجارة الطاقة.
لكن الانتقال من الاجتماعات السياسية إلى التنفيذ سيبقى مرتبطاً بعوامل تقنية ومالية وأمنية، أبرزها جاهزية شبكات النقل، وتمويل البنية التحتية، وتأمين مصادر الغاز، وترتيبات العبور الإقليمية.
وبالتالي، فإن ما جرى في نيويورك لا يمثل بعدُ ولادة مشروع طاقة تركي لبناني محدد، لكنه يؤشر إلى انتقال الحوار بين البلدين من تبادل الاهتمام إلى بحث منظومة متكاملة من خيارات الربط الكهربائي والغاز والاستثمار في البنية التحتية.

