أعاد مقتل المحامي سر دار أوكتم، أحد أبرز الأسماء المرتبطة بملف اغتيال سنان أتيش، الزعيم السابق لاتحاد الشباب القومي المرتبط بحزب الحركة القومية، الجدل حول طبيعة الصراعات الخفية داخل بنية الحكومة التركية وتحالفاتها السياسية والأمنية.
فقد تعرّض أوكتم لهجوم مسلح أمام مكتبه في شارع بويوك دره بشيشلي – إسطنبول، ما أدى إلى مقتله على الفور، في واقعة توصف بأنها من أكثر الحوادث الغامضة التي شهدتها البلاد خلال الأشهر الأخيرة.
تفاصيل الهجوم والنتائج الجنائية الأولى
وقع الهجوم عندما كان أوكتم داخل سيارته، حيث أطلق عليه مجهولون النار بأسلحة طويلة المدى، في عملية نسبت لاحقاً إلى ما يُعرف بـ“عصابة دالتونلار“، وهي مجموعة إجرامية يعتقد أنها تقف وراء عدد من الهجمات الدموية الأخيرة في إسطنبول.
وبحسب التقرير الطبي الرسمي، أُصيب أوكتم في الرأس والوجه والذراع اليسرى بثلاث طلقات وُصفت بأنها قاتلة بحد ذاتها، فيما أظهر الفحص وجود سبع إصابات نارية على الأقل في مختلف أنحاء جسده، مع آثار شظايا رصاص متعددة.
تقرير الطب الشرعي: إصابات قاتلة متزامنة
أفاد تقرير معهد الطب الشرعي في إسطنبول بأن أوكتم نُقل إلى مستشفى ليف – أولوس وقد كُتب في سجل الدخول عبارة “Ex Duhul”أي “تم إدخاله ميتاً“.
وجاء في التقرير أن الوفاة نجمت عن نزيف داخلي وخارجي نتيجة كسور في عظام الجمجمة والوجه، ونزيف دماغي حاد تسبب في تدمير أنسجة المخ وتمزق الأوعية الدموية الكبرى.
وأُجريت عملية التشريح في ليلة السادس إلى السابع من أكتوبر، وتم توثيقها بالتصوير والفيديو، قبل أن يُنقل الجثمان إلى ثلاجة المشرحة لتسليمه لاحقاً إلى عائلته.
الخلفية القضائية: اسم مرتبط بملف سنان أتيش
يُعد سر دار أوكتم من الأسماء الحساسة في ملف اغتيال سنان أتيش، الرئيس الأسبق لتنظيم اتحاد الشبيبة القومية (Ülkü Ocakları) المقرب من حزب الحركة القومية، في إطار صراع بين القوى داخل الحزب.
وكان أوكتم قد اعتُقل في إطار القضية لفترة محدودة، ثم أُفرج عنه لاحقاً، بعد أن اتُهم بلعب دور الوسيط بين المجموعة المنفذة في إسطنبول والمتورطين في أنقرة.
وأثارت تصريحاته وتصرفاته آنذاك الكثير من الشبهات، خصوصاً بعد أن زعم أثناء التحقيق أنه نسي كلمة مرور هاتفه المحمول الذي كان محورياً في تحديد خطوط الاتصال بين المتهمين.
تطورات قضائية أعادت الأنظار إليه
قبل أيام فقط من مقتله، كانت المحكمة قد قررت دمج ملف قضيته مع قضية أخرى يُحاكم فيها عدد من القوميين المتهمين بـ”حماية الجناة” و”إخفاء الأدلة”، وهو ما أعاد الأنظار مجدداً إلى أوكتم.
كما أفادت مصادر قضائية بأن السلطات الأمريكية كانت قد أرسلت مؤخراً ردّاً حول فك تشفير هاتفه، ما كان من المنتظر أن يشكل تحولاً حاسماً في سير المحاكمة، خصوصاً في ظل تكهنات بأن أوكتم كان يستعد لتقديم إفادة “حاسمة” قد تُحرج أطرافاً نافذة داخل التحالف الحاكم بين الحركة القومية وحزب العدالة والتنمية.
فرضيات ودوافع: بين الصراع السياسي والحسابات الإجرامية
تتضارب الفرضيات حول الدوافع الحقيقية وراء اغتياله؛
إذ تشير مصادر أمنية إلى احتمال أن تكون الجريمة نتيجة نزاع بين عصابتي “دالتونلار” و”كاسبرلار“، حيث كان أوكتم يتولى الدفاع عن أعضاء من العصابة الثانية، ما جعله هدفاً انتقامياً.
في المقابل، يرى محللون سياسيون أن توقيت الاغتيال لا يمكن فصله عن التحولات في ملف سنان أتيش وعن التوتر المتزايد بين جناحي السلطة في أنقرة.
قراءة سياسية: صراع الأجنحة ينعكس دموياً
الكاتب والمحلل التركي سعيد صفاء وصف اغتيال أوكتم بأنه حلقة جديدة في سلسلة الصراعات داخل التحالف الحاكم، مشيراً إلى أن المحامي كان على وشك الكشف عن اعترافات محرجة لحزب الحركة القومية (MHP)قد تُضعف موقعه السياسي.
ورأى صفاء أن اغتياله جاء في لحظة كان يمكن أن تمنح الرئيس أردوغان ورقة ضغط مهمة ضد شريكه القومي، وبالتالي فإن التخلص من أوكتم أعاد التوازن لصالح حزب الحركة القومية وأزال أحد المفاتيح الخطيرة من المشهد القضائي والسياسي.

