دعا دولت بهجلي، زعيم حزب الحركة القومية، المحكمة العليا في تركيا إلى الإسراع في البتّ بالطعن القانوني المرتبط بأزمة القيادة داخل حزب الشعب الجمهوري، محذراً من انتقال الخلاف إلى الشارع أو تحوله إلى مواجهة تمسّ الأمن العام.
جاءت تصريحاته في خطاب الكتلة البرلمانية لحزبه، في وقت يمر فيه الحزب المعارض الأكبر في البلاد بأحد أكثر فصوله الداخلية حساسية وتعقيداً خلال السنوات الأخيرة.
قرار قضائي يعيد الأزمة إلى الواجهة
بدأت الأزمة تتفاقم بعد أن ألغت محكمة الاستئناف في أنقرة، في الحادي والعشرين من مايو، المؤتمر العام الثامن والثلاثين لحزب الشعب الجمهوري، وهو المؤتمر الذي أوصل أوزغور أوزيل إلى رئاسة الحزب في نوفمبر 2023. وبموجب الحكم، أُبعدت القيادة الحالية مؤقتاً، وأُعيد كمال كليجدار أوغلو وفريقه إلى مواقعهم بصورة انتقالية.
هذا القرار لم يقتصر أثره على الترتيبات التنظيمية، بل فتح الباب أمام انقسام سياسي وقانوني واسع داخل الحزب، وأعاد طرح أسئلة جوهرية حول شرعية القيادة، وحدود تدخل القضاء في الحياة الحزبية، ومستقبل أكبر قوة معارضة في تركيا.
دعوة إلى ضبط الخلاف داخل المؤسسات
شدد بهجلي على أن الخلاف يجب أن يبقى ضمن إطار القانون والديمقراطية والتنافس السياسي، لا أن يتحول إلى تحشيد في الشوارع أو إلى صدامات قد تهدد الاستقرار العام. وقال بوضوح إن أحداً لا ينبغي أن يجرّ تركيا إلى الفوضى، أو يدفع الخلاف السياسي إلى أعمال مواجهة أو اعتداء على قوات الأمن أو إخلال بالنظام العام.
كما دعا محكمة الاستئناف العليا، وهي الجهة المختصة بالنظر في الاعتراض على القرار، إلى إصدار حكمها في أقرب وقت ممكن، بحجة أن طبيعة القضية حساسة وتمسّ التوازن السياسي في البلاد.
موقف الحزب المعارض من الحكم
منذ أن ألغت المحكمة المؤتمر العام، يعيش حزب الشعب الجمهوري أزمة قيادة مفتوحة. فالقرار القضائي اعتبر أن المؤتمر الذي فاز فيه أوزغور أوزيل غير قانوني، وأعاد، على نحو مؤقت، كليجدار أوغلو والهيئات المنتخبة في عهده إلى مواقعهم.
أما الحزب، فينفي صحة الاتهامات التي بُني عليها الملف، مثل شراء الأصوات والتلاعب في التصويت، ويؤكد أن ما يجري ليس سوى جزء من حملة قضائية وسياسية أوسع تهدف إلى إضعاف المعارضة بعد نجاحها اللافت في الانتخابات المحلية في مارس 2024، حين تصدّر حزب الشعب الجمهوري النتائج على مستوى البلاد وتقدّم على حزب العدالة والتنمية الحاكم للمرة الأولى منذ عقود.
لهجة بهجلي وانتقاداته
أشار بهجلي إلى أن ما يحدث داخل الحزب المعارض يسيء إلى صورته المؤسسية، بل ويمس الثقافة السياسية في تركيا كلها. وقال إن التطورات الأخيرة تنقل الحزب من مستوى لا يليق بتاريخه التنظيمي إلى مستوى يضر بالديمقراطية والثقافة السياسية في البلاد.
وفي الوقت ذاته، ربط بهجلي ما يجري بالسياق السياسي الأوسع في تركيا، مشيراً إلى أن البلاد تمر بفترة دقيقة تتزامن مع تطورات إقليمية ومع مسار الحوار الحكومي المرتبط بحلّ الحزب العمالي الكردستاني ونزع سلاحه، وهو ما تصفه الحكومة بمشروع “تركيا خالية من الإرهاب”.
حديث عن “التطهير الداخلي”
ذهب بهجلي أبعد من ذلك عندما دعا حزب الشعب الجمهوري إلى ما وصفه بعملية “تطهير داخلي”، وهو تعبير أثار جدلاً داخل المعارضة، لا سيما أن كليجدار أوغلو نفسه كان قد استخدم لغة مشابهة قبل يوم واحد من صدور الحكم القضائي. وقد اعتبر منتقدون أن هذا التوقيت لا يمكن فصله عن المناخ العام الذي يواجه فيه الحزب موجة من التحقيقات والاعتقالات.
وفي مقطع فيديو نشره على منصة “إكس”، وصف كليجدار أوغلو حزب الشعب الجمهوري بأنه “أمانة مقدسة”، مؤكداً أن الحزب يجب ألا يتحول إلى ملاذ للفاسدين أو المخطئين. غير أن خصومه رأوا في هذا الموقف، عملياً، إضفاءً لشيء من الشرعية على ملفات الفساد التي تُستخدم في ملاحقة بلديات يديرها الحزب.
تحرك أوزيل لعقد مؤتمر استثنائي
في المقابل، لم يقف أوزغور أوزيل ومعه أنصاره موقف المتفرج. فقد دفعوا باتجاه عقد مؤتمر استثنائي، بعدما جمع مندوبو الحزب العدد المطلوب من التواقيع يوم الاثنين، في وقت كان 111 نائباً من نواب الحزب، بينهم أوزيل نفسه، قد دعوا إلى عقد اجتماع للحزب في 12 يوليو.
ويستند معسكر أوزيل إلى فكرة أن القرار القضائي الأخير أعاد الاعتبار قانونياً لآخر مؤتمر صحيح، وهو مؤتمر يوليو 2020، ما يعني أن الحزب لا يستطيع الانتظار طويلاً. ووفق هذا الرأي، فإن عدم عقد مؤتمر جديد قبل انتهاء المهلة القانونية، أي في يوليو 2026، قد يعرّض الحزب لخطر فقدان حقه في خوض الانتخابات، استناداً إلى تعديل أُدخل على قانون الأحزاب السياسية عام 2022.
الخلاف القانوني داخل الحزب
في المقابل، ترى دوائر قريبة من كليجدار أوغلو أن أي مؤتمر، سواء كان عادياً أو استثنائياً، لا يمكن عقده قبل أن يصبح قرار الإلغاء نهائياً بعد انتهاء مسار الطعن أمام محكمة الاستئناف العليا. وهكذا تحوّل الخلاف إلى نزاع قانوني عميق، لا يقتصر على من يقود الحزب، بل يمتد إلى تفسير النصوص التنظيمية والقانونية التي تحكم وجوده السياسي.
ضغط أوسع على الحزب
هذه الأزمة لا تأتي منفصلة عن سياق أوسع من الضغط القضائي والسياسي على حزب الشعب الجمهوري. فمنذ نجاحه في الانتخابات المحلية في مارس 2024، تعرض الحزب لسلسلة من التحقيقات والاعتقالات طالت أكثر من 20 رئيس بلدية تابعاً له، فضلاً عن مئات الموظفين والمسؤولين المحليين، في قضايا يقول الحزب إنها ذات دوافع سياسية.
ومن بين أكثر الملفات حساسية اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو في مارس 2025، وهو أحد أبرز خصوم رجب طيب أردوغان والمرشح الرئاسي البارز عن الحزب. وقد وُجهت إليه اتهامات تتعلق بالفساد والإرهاب، لكنه ينفيها بشكل قاطع، ولا يزال ملفه من أكثر الملفات تأثيراً في المزاج السياسي التركي.
دلالات
تصريحات بهجلي تحمل أكثر من رسالة. فهي من جهة تدعو إلى الحسم القضائي السريع، ومن جهة أخرى ترسم حدوداً واضحة لطريقة إدارة الأزمة، بحيث تبقى المعارضة داخل المسار المؤسسي وتبتعد عن الشارع. وفي السياق التركي الحالي، لا يمكن فصل هذه اللغة عن التحالف القائم بين حزب الحركة القومية وحزب العدالة والتنمية، ولا عن الرغبة في ضبط إيقاع المعارضة في لحظة سياسية حساسة.
أما داخل حزب الشعب الجمهوري، فالمشهد يبدو مفتوحاً على احتمالين: إما التوصل إلى تسوية تنظيمية تعيد ترتيب البيت الداخلي، أو استمرار الانقسام بين معسكر أوزيل ومعسكر كليجدار أوغلو، بما يضعف قدرة الحزب على مواجهة الضغوط الخارجية والملفات القضائية المتراكمة.
خلاصة
أزمة قيادة حزب الشعب الجمهوري تجاوزت حدود الخلاف التنظيمي، وأصبحت جزءاً من معركة أوسع على الشرعية السياسية في تركيا. دعوة بهجلي إلى الحسم السريع تكشف أن الملف لم يعد شأناً حزبياً داخلياً، بل بات مؤشراً على التوتر الأعمق في المشهد السياسي التركي.

