بقلم: سليم نيازي أوغلو
في الوقت الذي خفتت فيه نسبياً وطأة التجاذبات الأمريكية الإيرانية على المسرح الدولي، تبرز ضرورة ملحة للالتفات إلى العمق الأفريقي، وتحديداً إلى السودان. إن خارطة الطريق الجديدة التي أقرتها قوى إعلان المبادئ السودانية لا تمثل مجرد محطة سياسية عابرة، بل هي محاولة حاسمة لاجتراح مخرج من أتون حرب مستعرة منذ نيسان/أبريل 2023؛ حرب لم تكتفِ بتدمير البنى التحتية، بل ضربت أسس الدولة في مقتل.
الهيكل الثلاثي: تكامل المسارات الإنسانية والعسكرية والسياسية
تنهض هذه الرؤية على معمارية ثلاثية الأركان تتشابك فيها المسارات بشكل عضوي. ففي المسار الإنساني، تبرز الوثيقة كـ “شريان حياة” يهدف لإنقاذ ملايين النازحين من كارثة غذائية وخدمية غير مسبوقة. غير أن تدفق هذا الشريان يظل رهيناً بـالمسار العسكري، الذي يطمح لفرض وقف إطلاق نار حقيقي يتجاوز هشاشة الهدن السابقة عبر آليات رقابة صارمة.
أما المسار السياسي، فهو يمثل عصب الدولة المرتقبة، حيث يسعى لاستعادة روح “ثورة ديسمبر” وترجمتها إلى مؤسسات ديمقراطية تنهي حقبة “دولة الميليشيات”. وهنا تبرز “الكتلة الثالثة“ كبديل مدني يرفض الارتهان لسطوة السلاح أو الاستقطاب الحاد بين الجنرالات.
جراحة استئصال راديكالية ومعضلة الاستقرار
تتسم الوثيقة بجرأة لافتة، بل وربما قاسية، في نصها الصريح على استبعاد تنظيمات المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية من المشهد المقبل. ويرى عبد الله حمدوك، رئيس تحالف “صمود”، أن هذا الاستبعاد ليس فعلاً كيدياً، بل هو ضرورة لتطهير مؤسسات الدولة من رواسب ثلاثة عقود أدت بوضوح إلى انهيارها الحالي.
ومع ذلك، تظل خارطة الطريق، رغم مثاليتها النظرية، مهددة بالاصطدام بجدار الواقع الصلب. فسياسات الإقصاء، وإن حققت “نظافة مؤسسية” مؤقتة، قد تزرع بذور استقطاب تحت أرضي ومقاومة مستترة تهدد الاستقرار البعيد. إن ما يحتاجه السودان اليوم ليس مجرد تصفية فصيل لآخر، بل إحياء تقاليد دولة عريقة تتسع للجميع تحت سيادة القانون. وإن الشرط الجوهري لذلك هو خضوع كافة القوى، ولا سيما تلك التي ترفع شعارات إسلامية، لعملية مراجعة ذاتية عميقة ونقد ذاتي صادق قبل الطموح للمشاركة في الحكم مجدداً. فالبناء الذي لا يقوم على مكاشفة الأخطاء التاريخية، يظل بناءً آيلاً للسقوط عند أول هزّة.
إسقاطات على الحالة التركية: التآكل المؤسسي واحتكار العنف
تحمل المأساة السودانية في طياتها نذيراً للدول القابعة على خطوط الصدع الجيوسياسي، ومنها تركيا. فالتجربة السودانية تثبت أن إحلال “الولاء والارتهان الأيديولوجي” محل “الكفاءة” داخل مؤسسات الدولة، يحيل الأخيرة إلى “ساحة غنائم” تنهشها الأطماع الفئوية.
وفي السياق التركي، فإن تعميق الاستقطاب المجتمعي وتسييس الأجهزة السيادية قد يؤدي إلى تآكل “الغراء” أو “المادة اللاصقة” التي تجمع أطياف الوطن في الأزمات الكبرى. إن صراع “الجيش والميليشيا” في السودان يمثل أقصى درجات التحذير من مغبة نمو مراكز قوى موازية تفقد الدولة معها احتكارها الشرعي لأدوات العنف. وغني عن البيان أن تركيا لا يمكن أن تحفظ نفسها من الانزلاق إلى مستنقع “التآكل المؤسسي” الذي غرق فيه السودان إلا بصون التقاليد المؤسسية فوق الانتماءات الحزبية الضيقة. غير أن السلطة الحالية بعيدة كل البعد عن هذا النهج، وهي – للأسف – تسعى إلى جعل المعارضة في البلاد عديمة الفاعلية تمامًا.
لب القول
ختاماً، تظل خارطة الطريق السودانية محاولة مدنية شجاعة لإعادة رسم ملامح المستقبل. بيد أن نجاحها يتوقف على قدرتها على التحول من “نص نظري” إلى “مشروع سياسي” يمتلك أدوات الضغط على الأرض. فالسودان اليوم لا يبحث فقط عن حكومة جديدة، بل يبحث عن “دولة” ضاعت في دهاليز السلطة، وهو ما يتطلب إرادة صلبة لإعادة إرساء قيم العدالة الانتقالية والانفتاح السياسي الرصين.

