يتجه العراق إلى فتح مسار تفاوضي جديد مع تركيا بهدف إبرام اتفاق طويل الأمد لنقل النفط، وذلك قبل انتهاء الاتفاق القائم نهاية يوليو 2026، في خطوة تهدف إلى تجنّب أي انقطاع جديد في صادرات الخام عبر خط الأنابيب الحيوي الرابط بين البلدين.
أهمية استراتيجية متزايدة لخط الأنابيب
ازدادت أهمية خط أنابيب العراق–تركيا بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة، في ظل اضطرابات إقليمية أثّرت على حركة الشحن عبر مضيق هرمز، ما انعكس سلبًا على صادرات العراق النفطية من موانئه الجنوبية. وقد دفع ذلك بغداد إلى تعزيز اعتمادها على المسارات البديلة، وفي مقدمتها الخط الشمالي عبر تركيا.
قرار حكومي بإطلاق المفاوضات
أقرّ مجلس الوزراء العراقي، برئاسة علي فالح الزيدي، تفويض وزارة النفط ببدء محادثات رسمية مع الجانب التركي، تشمل التوصل إلى اتفاق جديد يغطي رسوم العبور وكميات النفط المنقولة والجوانب التجارية والتقنية المرتبطة بالتشغيل.
ويُنتظر أن تتمحور المفاوضات حول استبدال الاتفاق التاريخي الموقع عام 1973، والذي ظل الإطار الناظم لتصدير النفط العراقي عبر الأراضي التركية لعقود.
نهاية اتفاق 1973: خلفية زمنية وقانونية
كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد أصدر مرسومًا العام الماضي يقضي بإنهاء الاتفاقية والبروتوكولات المرتبطة بها اعتبارًا من 27 يوليو 2026.
الاتفاق الأصلي وُقّع في أغسطس 1973، ودخلت المرحلة الأولى من خط الأنابيب الخدمة عام 1976، قبل أن يتم تمديده عدة مرات، آخرها في 2010 لمدة 15 عامًا.
تاريخ من التعطلات والخلافات
لم يكن تشغيل الخط مستقرًا على الدوام، إذ شهد توقفات متكررة نتيجة خلافات ثلاثية بين الحكومة الاتحادية في بغداد والحكومة التركية وحكومة إقليم كردستان العراق.
بلغت هذه الخلافات ذروتها في مارس 2023، عندما أوقفت الصادرات عبر الخط بعد صدور حكم تحكيمي لصالح العراق في غرفة التجارة الدولية، حمّل تركيا مسؤولية تسهيل تصدير نفط الإقليم دون موافقة بغداد، وألزمها بدفع تعويضات مالية.
استئناف الصادرات: اتفاق بغداد–أربيل
في مارس الماضي، توصلت بغداد وحكومة إقليم كردستان إلى تفاهم جديد يقضي باستئناف صادرات النفط عبر تركيا، مع تحويل العائدات إلى الخزينة الاتحادية. وقد حُددت الكميات الأولية بنحو 170 ألف برميل يوميًا، على أن ترتفع تدريجيًا إلى 250 ألف برميل.
وفي تطور لاحق، أشارت المحامية هدى الحسن إلى أن التدفقات الحالية بلغت نحو 230 ألف برميل يوميًا، ما يعكس تقدمًا في تنفيذ الاتفاق.
مخاطر عدم التوصل لاتفاق جديد
تحذّر أوساط قانونية واقتصادية من أن عدم تجديد اتفاق العبور قد يعرّض هذا المسار الحيوي للإيرادات للخطر.
كما أكدت مؤشرات صادرة عن الجانب التركي ضرورة التوصل إلى اتفاق جديد قبل الموعد النهائي، لضمان استمرار الصادرات دون انقطاع.
وترى تحليلات السوق أن اقتراب الموعد النهائي يفرض على الشركات العاملة في قطاع الطاقة بالعراق إعداد سيناريوهات بديلة لمواجهة أي اضطرابات محتملة.
موقف الشركات الدولية: رهانات على الاستقرار
أعربت شركات طاقة دولية عاملة في إقليم كردستان عن أملها في أن يسهم الاتفاق الجديد في تحسين عائدات التصدير مقارنة بالمبيعات المحلية، وتوفير بيئة تشغيل أكثر استقرارًا، وتعزيز الثقة في البنية التحتية النفطية شمال العراق.
كما أشارت إلى أن القدرة الاستيعابية لخط الأنابيب تفوق بكثير الكميات المصدّرة حاليًا، ما يفتح المجال لزيادة الإنتاج والتصدير مستقبلاً.
ما وراء المفاوضات
تعكس هذه التحركات سعي العراق لإعادة ضبط معادلة السيطرة على صادراته النفطية، خاصة في ظل النزاعات السابقة مع إقليم كردستان، ومحاولة فرض مركزية القرار النفطي.
في المقابل، يبدو أن تركيا تسعى إلى إعادة صياغة شروط التعاون بما يتماشى مع المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية، مستفيدة من موقعها كمعبر رئيسي للطاقة.
كما أن التوترات في الخليج، خصوصًا تلك المرتبطة بمضيق هرمز، تمنح هذا الخط بُعدًا استراتيجيًا إضافيًا، باعتباره بديلًا حيويًا يقلل من المخاطر الجيوسياسية على صادرات العراق.
خلاصة
يتحرك العراق وتركيا نحو مفاوضات حاسمة لإعادة صياغة اتفاق نقل النفط، في ظل ضغوط زمنية ومخاطر جيوسياسية متزايدة.
نجاح الاتفاق سيحدد استقرار صادرات العراق الشمالية ويؤثر على توازنات الطاقة في المنطقة.

