شهدت الساحة القضائية التركية تطوراً لافتاً تمثل في إعادة فتح ملف قضية مقتل ضابطي شرطة في منطقة “جيلان بينار” عام ٢٠١٥، وهي الحادثة التي كانت بمثابة المسمار الأخير في نعش مفاوضات السلام الكردي الأولى التي جرت بين حكومة حزب العدالة والتنمية وحزب العمال الكردستاني في العقد الأول من حكم أردوغان.
وتأتي هذه التحركات القضائية تزامناً مع مناخ سياسي جديد تسعى فيه تركيا إلى إنهاء صراع ممتد لعقود مع حزب العمال الكردستاني، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول حقيقة ما جرى في تلك الليلة الدامية التي غيرت مسار البلاد.
خلفيات ليلة الاغتيال وتداعياتها السياسية
تعد واقعة اغتيال الضابطين “فياض يوموشاك” و”أوكان أوجار” في منزلهما المشترك بمحافظة شانلي أورفا نقطة تحول مفصلية في التاريخ التركي المعاصر، حيث وقعت الجريمة في يوليو ٢٠١٥، بعد يومين فقط من تفجير انتحاري لـ”داعش” في بلدة سوروتش أودى بحياة العشرات من الناشطين الأكراد.
وفي ذلك الوقت، تبنى حزب العمال الكردستاني العملية باعتبارها رداً على تفجير سوروتش، متهماً الضابطين بالتعاون مع التنظيم المتطرف. وبناءً على هذه المعطيات، اتخذت الحكومة التركية قراراً بإنهاء مسار السلام الذي انطلق في ٢٠١٣، واستأنفت العمليات العسكرية واسعة النطاق، مما أدخل المناطق الجنوبية الشرقية في دوامة من حظر التجوال والدمار والمواجهات المسلحة.
ثغرات التحقيق وعلامات الاستفهام الكبرى
على الرغم من السردية الرسمية التي حملت حزب العمال الكردستاني المسؤولية، إلا أن مسار المحاكمات كشف عن فجوات عميقة وشكوك حول نزاهة التحقيقات الأصلية. فقد قضى عدة مشتبه بهم سنوات في السجن رغم غياب الأدلة الملموسة التي تربطهم بالجريمة، فضلاً عن تدمير سجلات الهواتف المحمولة التي كانت كفيلة بتحديد مواقعهم وقت الهجوم دون الاحتفاظ بنسخ منها.
والأكثر إثارة للجدل كان ملف البصمات؛ إذ أثبت تقرير جنائي قُدم لمحكمة الاستئناف العليا في ديسمبر ٢٠٢٥ أن خمس بصمات من أصل عشر تم رفعها من موقع الجريمة تعود للشرطي “براق كورو”، وهو زميل الضحيتين الذي ادعى سابقاً أنه لم يدخل شقتهما قط.
ورغم محاولات محامي الدفاع استجوابه خلال المحاكمة الأصلية، إلا أن طلباتهم قوبلت بالرفض، مما انتهى بتبرئة سبعة متهمين في ٢٠١٨ لعدم كفاية الأدلة، وهي البراءة التي لا تزال محل طعن من الادعاء العام منذ سبع سنوات.
التحرك القضائي الجديد وخيوط الشهادة الغامضة
تبرز اليوم معطيات جديدة قد تقلب موازين القضية، حيث أفادت تقارير صحفية بأن مكتب رئيس الادعاء العام في إزمير بدأ بفحص شهادة جديدة أدلى بها عضو مفترض في “منظمة إرهابية انفصالية”. هذه الشهادة، التي يُعتقد أنها حددت هوية المخطط الفعلي لعملية الاغتيال، دفعت مدعي عام إزمير لطلب نسخة من ملف القضية من شانلي أورفا.
ورغم تكتم السلطات على هوية الشاهد أو الشخص الوارد اسمه في الشهادة، إلا أن هذا التحرك يشير إلى إمكانية فتح تحقيق أوسع قد يؤدي إلى توجيه اتهامات جديدة تتجاوز الرواية التي سادت لعقد من الزمان.
السياق السياسي الراهن واختبار النوايا
يأتي هذا الحراك القضائي في خضم مبادرة سلام جديدة ومفاجئة انطلقت في أكتوبر ٢٠٢٤، حين دعا زعيم حزب الحركة القومية “دولت بهجلي” زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون “عبد الله أوجلان” لحث التنظيم على إلقاء السلاح [٦]. وقد استجاب أوجلان لهذه الدعوة في فبراير ٢٠٢٥، مما أدى إلى إعلان الحزب وقف إطلاق النار وحل نفسه رمزياً من خلال مراسم حرق السلاح في شمال العراق وبدء الانسحاب من الأراضي التركية.
وتركز المحادثات الحالية على تشريعات تنظم التخلي عن السلاح والوضع القانوني لأعضاء التنظيم السابقين وإعادة دمجهم في الحياة المدنية والسياسية.
بين العدالة والمناورة السياسية
تضع إعادة فتح ملف جيلان بينار الصدق السياسي في الميزان؛ فالتساؤل الذي يطرحه المراقبون هو ما إذا كان هذا التحرك يعكس رغبة حقيقية في كشف الحقيقة الكاملة وراء مقتل الضابطين، أم أنه مجرد أداة لتبرير قرارات سياسية جديدة أو تصفية حسابات من مرحلة سابقة.
ويرى مراقبون أن الكشف عن المخططين الحقيقيين وتوضيح دور العناصر الأمنية التي وجدت بصماتها في الموقع يمثل ضرورة ليس فقط لتحقيق العدالة للضحايا، بل أيضاً لضمان بناء مسار السلام الجديد على أسس من الشفافية والمكاشفة، بعيداً عن ألغاز الماضي التي كلفت البلاد آلاف الأرواح منذ عام ١٩٨٤.

