تشهد العلاقات الدفاعية بين سراييفو وأنقرة قفزة نوعية جديدة في إطار مساعي البوسنة والهرسك لتأمين أجوائها ومنشآتها الحيوية ضد التهديدات الجوية المعاصرة. وفي هذا السياق، أبرمت وزارة الدفاع البوسنية اتفاقية محورية تهدف إلى حيازة منظومات دفاعية متخصصة في تحييد الطائرات المسيرة، ما يعكس توجهاً استراتيجياً لتحديث القدرات العسكرية البوسنية بما يتواكب مع تحديات الحروب الحديثة.
مراسم التوقيع وأبعاد الاتفاقية
احتضنت قاعة القوات المسلحة في العاصمة سراييفو مراسم توقيع هذه الاتفاقية، التي جمعت بين وزير الدفاع البوسني “زوكان هيليز” والمدير التنفيذي لشركة “أسيلسان” التركية “أحمد أكيول”. وتقضي الاتفاقية بتسلم البوسنة والهرسك لعشرة أجهزة تشويش مضادة للطائرات المسيرة من طراز “KANGAL/ADL 100″، وهي منظومات تركية الصنع أثبتت كفاءتها في الميدان.
وقد برز تباين طفيف في وصف طبيعة هذا الإجراء؛ فبينما صنفت وكالة الأنباء الفيدرالية البوسنية (FENA) الوثيقة كـ “اتفاقية هبة”، فضلت وزارة الدفاع تسميتها بـ “عقد استحواذ”، في حين لم يتم الكشف عن القيمة المالية لهذه العملية أو الجهة التي ستتحمل التكاليف، سواء كانت الحكومة التركية أو شركة “أسيلسان” أو جهة مانحة أخرى.
المواصفات الفنية لمنظومة “كانغال” التركية
تعد منظومة “KANGAL/ADL 100” إضافة نوعية للمشاة والوحدات الأمنية، حيث تتميز بكونها نظاماً محمولاً مصمماً على شكل بندقية، مما يسهل استخدامه ميدانياً من قبل الأفراد. وتعتمد هذه التقنية على مبدأ الحرب الإلكترونية الشاملة، إذ تمتلك القدرة على تعطيل ترددات التحكم عن بُعد، وأنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية، وروابط البيانات الخاصة بالدرونات في آن واحد.
وتشير البيانات التقنية الصادرة عن الشركة المصنعة إلى أن الجهاز يعمل ببطاريات قابلة للشحن توفر استمرارية تشغيلية لمدة لا تقل عن ساعة ونصف. كما يتميز النظام بمرونة عالية في مواجهة التهديدات المتنوعة، حيث يمكنه تخزين ومعالجة أكثر من مئة ملف تعريف للتشويش، مما يجعله قادراً على التعامل مع طيف واسع من الطائرات المسيرة التجارية والعسكرية.
تراكم الدعم وتكامل الأدوار مع الناتو
لا تُعد هذه الخطوة معزولة عن مسار طويل من التعاون؛ فقد وصف الوزير “هيليز” هذه الدفعة بأنها التبرع الثالث المنسق مع شركة “أسيلسان”. ففي مايو من عام 2025، قدمت الحكومة التركية نظام “كانغال” كمنحة أولية، سبقها تزويد القوات البوسنية بـ 400 جهاز لاسلكي عسكري. ومن الجدير بالذكر أن هذه المساعدات التقنية، لا سيما أجهزة اللاسلكي، تم تأمينها عبر مبادرة الناتو لبناء القدرات الدفاعية والأمنية ذات الصلة، وهي مبادرة تعتمد على المساهمات المالية أو العينية الطوعية من الدول الأعضاء.
الأهداف الاستراتيجية والسياق الميداني
تستهدف سراييفو من نشر هذه المنظومات حماية شبكة واسعة من الأهداف الاستراتيجية، تشمل المنشآت العسكرية الحساسة، ومصانع الصناعات الدفاعية، والبنية التحتية الحيوية للدولة. ويأتي هذا التحرك في ظل تزايد الاعتماد على الطائرات المسيرة التجارية والدرونات الانتحارية (FPV) كأدوات فعالة للاستطلاع والهجوم، وهو ما تجلى بوضوح في النزاعات المعاصرة، لا سيما الحرب الروسية الأوكرانية، مما دفع الجيوش العالمية إلى المسارعة في امتلاك أدوات الردع المناسبة.
البلقان في مواجهة سلاح الجو الرخيص
إن توجه البوسنة والهرسك لتعزيز قدراتها في مجال “مكافحة الدرونات” يعكس إدراكاً عميقاً للتحول في عقيدة القتال الإقليمية. فمنطقة البلقان، بحكم تعقيداتها الجيوسياسية، لا يمكنها تجاهل التطور المتسارع في سلاح الجو منخفض التكلفة الذي أتاح لأطراف غير دولية أو جيوش تقليدية تحقيق إصابات دقيقة بتكاليف زهيدة.
وتمثل هذه الاتفاقية جزءاً من استراتيجية بوسنية أوسع، حيث كشف الوزير عن مشاورات جارية للحصول على نظامين إضافيين لمكافحة الطائرات المسيرة مستقبلاً. هذا الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا التركية لا يعزز فقط القدرة الدفاعية للبوسنة، بل يكرس تركيا كلاعب محوري ومورد أساسي للأمن في منطقة جنوب شرق أوروبا، متجاوزةً بذلك الدور السياسي التقليدي إلى شراكة عسكرية تقنية عميقة.

