في خطوة تعيد رسم ملامح إدارة البنية التحتية الحيوية في تركيا، أصدر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مرسوماً رئاسياً نُشر في الجريدة الرسمية، يقضي بإعادة تنظيم وهيكلة خطط الخصخصة المتعلقة ببعض الجسور الحيوية، والطرق السريعة والدائرية التي تديرها حالياً المديرية العامة للطرق البرية التركية.
توسيع مظلة الخصخصة وشبكة الطرق المستهدفة
لم يقتصر القرار الجديد على تحديث الإجراءات الخاصة بالمرافق المدرجة سابقاً ضمن خطط التخصيص، بل امتد ليشمل شرايين مرورية جديدة تعزز من جاذبية هذا القطاع للاستثمار الخاص. وتأتي هذه الخطوة استكمالاً لقرار تاريخي يعود إلى عام ٢٠١٠، والذي وُضعت بموجبه معابر وطرق رئيسية تحت مجهر الخصخصة، شملت آنذاك طريقي (أدرنة – إسطنبول – أنقرة)، و(بوزانتي – طرسوس – مرسين)، و(طرسوس – أضنة – غازي عنتاب)، إضافة إلى طريق (توبراك كالي – إسكندرون) السريع، وجسري البوسفور الشهيرين في إسطنبول: “جسر شهداء 15 يوليو” و”جسر السلطان محمد الفاتح”.
وفي إطار التحديث الأخير الصادر، اتسعت الرقعة لتضم مسارات استراتيجية إضافية:
- طريق (نيغدة – بوزانتي) السريع.
- طريق غازي عنتاب الدائري السريع.
- الجزء الرابط بين تقاطعي “تشاغلايان” و”يني شهير” على طريق بورصة الدائري السريع، بما يشمل كافة الطرق الرابطة والفرعية التابعة لها.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن برنامج الخصخصة لن يقتصر على المسارات الإسفلتية فحسب، بل سيمتد ليشمل المرافق الخدمية المنتشرة على طول هذه الطرق، ووحدات الصيانة والتشغيل، بالإضافة إلى كافة الأصول الأخرى المحددة قانوناً ضمن البرنامج.
الآلية القانونية: شراكة تشغيلية وليست بيعاً للأصول
توضح التفاصيل التنظيمية الواردة في المرسوم الرئاسي أن الدولة التركية لا تتجه نحو البيع المباشر لملكية هذه الأصول الاستراتيجية للقطاع الخاص؛ بل تعتمد نماذج استثمارية مرنة تتيح إشراك المستثمرين دون المساس بالملكية السيادية للأراضي والمنشآت. وتتنوع الأطر القانونية المتاحة لتنفيذ هذا التوجه لتشمل:
- منح حقوق التشغيل للشركات الخاصة لفترات محددة.
- عقود الإيجار طويلة الأجل.
- تأسيس الحقوق العينية العقارية لغير الملكية.
- نموذج شراكة الإيرادات القائم على تقاسم العوائد.
- أي صيغ قانونية وتشغيلية أخرى تلائم الطبيعة الفنية والمالية للمشاريع المستهدفة.
وقد حدد المرسوم الرئاسي سقفاً زمنياً لعقود الخصخصة لا يتجاوز ثلاثين عاماً، على أن تُستكمل جميع المعاملات والإجراءات القانونية المرتبطة بنقل الامتيازات في موعد أقصاه الحادي والثلاثين من ديسمبر عام ٢٠٣١. وخلال هذه المرحلة الانتقالية، وبانتظار الإتمام الفعلي لعمليات التسليم والامتياز، ستبقى المديرية العامة للطرق البرية مسؤولة بصورة كاملة عن أعمال الصيانة والتشغيل وتقديم الخدمات الفنية على هذه الطرق والجسور.
مخاوف برلمانية وجدل مالي حول الجدوى الاقتصادية
على الجانب الآخر من المشهد، لم يمر القرار دون إثارة حفيظة الأوساط السياسية المعارضة في تركيا؛ إذ واجهت الخطوة انتقادات لاذعة من قِبل دنيز يافوز يلماز، النائب في البرلمان التركي عن “الحزب الجديد” ممثلاً لولاية زونغولداق. وحثّ النائب البرلماني السلطات على التراجع الفوري عن تنفيذ هذا المرسوم، مستنداً إلى قراءة مالية للأرقام الرسمية الحالية.
ويرى يافوز يلماز أن هذه المرافق والجسور تمثل رافداً مالياً ضخماً ومستقراً لخزينة الدولة يستدعي الحفاظ عليه تحت الإدارة العامة. واستدل على ذلك بأن صافي أرباح هذه الشبكات من الطرق والجسور التي تديرها الدولة بلغت قرابة ستمئة مليون دولار أمريكي خلال عام ٢٠٢٥ وحده. وبناءً على هذه الوتيرة الربحية، فإن القيمة التقديرية للأرباح التي يمكن للدولة تحصيلها ذاتياً على مدار الثلاثين عاماً المقبلة — وهي المدة المقترحة لعقود الخصخصة — تناهز ثمانية عشر مليار دولار أمريكي.
وحذر المعارض التركي من أن انتقال الإدارة إلى أيدي الشركات الخاصة سيؤدي بالضرورة إلى زيادات متتالية في تعريفات المرور ورسوم العبور المفروضة على المواطنين، مما يضيف أعباء معيشية جديدة على كاهل مستخدمي الطريق، وهو ما يبرر في نظره دعوته لإلغاء البرنامج والإبقاء على هذه البنية التحتية تحت رعاية الإدارة الحكومية المباشرة.

