وقّعت تركيا وكازاخستان إعلان شراكة استراتيجية موسعة خلال الزيارة الرسمية التي أجراها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى العاصمة الكازاخية أستانا، في خطوة تعكس اتجاهاً متسارعاً نحو تعميق التعاون السياسي والاقتصادي والأمني بين البلدين وسط التحولات الجيوسياسية المتسارعة في آسيا الوسطى.
وجرى توقيع الوثيقة الجديدة، التي حملت عنوان “إعلان الصداقة الأبدية والشراكة الاستراتيجية الموسعة”، خلال الاجتماع السادس لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، برئاسة مشتركة بين أردوغان والرئيس الكازاخي قاسم جومارت توكاييف، وذلك يوم الخميس المنصرم.
ويهدف الاتفاق إلى نقل العلاقات الثنائية إلى مرحلة أكثر تشابكاً، مع توسيع مجالات التعاون لتشمل التجارة والطاقة والنقل والاستثمارات والزراعة والتعدين والاقتصاد الرقمي، إلى جانب التنسيق الثقافي والإنساني.
هدف اقتصادي طموح: 15 مليار دولار
وضعت أنقرة وأستانا هدفاً جديداً يتمثل في رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 15 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، بعد أن بلغ نحو 5.5 مليار دولار العام الماضي.
ويرى الجانبان أن الرقم الحالي لا يعكس الإمكانات الاقتصادية الحقيقية للعلاقات الثنائية، خاصة في ظل تنامي الروابط التجارية والاستثمارية، واتساع الحاجة إلى ممرات نقل بديلة تربط آسيا بأوروبا.
وقال الرئيس الكازاخي توكاييف إن الوثيقة الجديدة تعبّر بوضوح عن “الصداقة الراسخة والطموحات المشتركة” بين البلدين، مؤكداً أن المحادثات مع أردوغان أفضت إلى تحديد مجالات تعاون جديدة من شأنها منح العلاقات الثنائية زخماً إضافياً.
وأضاف أن الجانبين اتفقا على توسيع التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي والإنساني بصورة أعمق وأكثر استدامة.
من جهته، شدد أردوغان على أن تنفيذ خطة العمل المشتركة المؤلفة من 67 بنداً، والتي تم اعتمادها في أستانا، سيكون عاملاً أساسياً لتحقيق هدف رفع التجارة الثنائية إلى 15 مليار دولار.
تصاعد الحضور التركي داخل الاقتصاد الكازاخي
تشير البيانات الرسمية إلى أن الشركات التركية استثمرت ما يقارب 6 مليارات دولار في كازاخستان خلال العقدين الماضيين، بينما بلغت الاستثمارات الكازاخية داخل تركيا نحو 2.5 مليار دولار.
وتنشط حالياً قرابة أربعة آلاف شركة مرتبطة بتركيا داخل السوق الكازاخية، في قطاعات تشمل البناء والطاقة والخدمات اللوجستية والصناعات الغذائية والتكنولوجيا.
ويعكس هذا الحضور الاقتصادي المتنامي سعي أنقرة إلى تعزيز نفوذها التجاري والاستثماري في آسيا الوسطى، في وقت تشهد فيه المنطقة تنافساً متزايداً بين القوى الإقليمية والدولية، خصوصاً روسيا والصين والاتحاد الأوروبي.
“الممر الأوسط” في قلب الحسابات الجيوسياسية
احتل ملف النقل والربط اللوجستي موقعاً مركزياً في المباحثات بين الجانبين، خاصة مع تصاعد أهمية “الممر الدولي العابر لبحر قزوين”، المعروف أيضاً باسم “الممر الأوسط”، باعتباره أحد البدائل الاستراتيجية لطرق التجارة التقليدية التي تأثرت بالحرب الروسية الأوكرانية والتوترات الجيوسياسية العالمية.
وأكد توكاييف أن حركة نقل البضائع بالسكك الحديدية بين تركيا وكازاخستان ارتفعت بنسبة 35 بالمئة هذا العام، فيما زادت عمليات النقل البري بنسبة 5 بالمئة.
ووصف البلدين بأنهما يشكلان “جسراً يربط الشرق بالغرب”، داعياً إلى استثمار هذا الموقع الجغرافي بصورة أكثر فعالية.
أما أردوغان فاعتبر “الممر الأوسط” نسخة حديثة من طريق الحرير التاريخي، مؤكداً أن تركيا وكازاخستان تنظران إلى هذا المشروع بوصفه أكثر من مجرد ممر لنقل البضائع، بل منصة استراتيجية لإعادة تشكيل شبكات التجارة والطاقة في المنطقة.
تسارع مشاريع الطاقة والنفط
شهدت المباحثات أيضاً تركيزاً واضحاً على ملف الطاقة، حيث اتفق الجانبان على تعميق التعاون في مجالي النفط والغاز.
ورحب الرئيس الكازاخي بخطط شركة البترول التركية للدخول إلى السوق الكازاخية، معتبراً أن مشاريع الطاقة المشتركة تشكل أولوية استراتيجية للعلاقات الثنائية.
بدوره، أشار أردوغان إلى أن تنامي دور كازاخستان في تجارة الطاقة والربط الإقليمي منحها موقعاً استراتيجياً متقدماً، مؤكداً رغبة تركيا في زيادة نقل النفط الكازاخي إلى الأسواق العالمية عبر الأراضي التركية.
ويأتي ذلك في وقت تحاول فيه أنقرة ترسيخ موقعها كمركز إقليمي للطاقة وكممر رئيسي لنقل الموارد القادمة من آسيا الوسطى وبحر قزوين نحو أوروبا.
ما بعد اضطرابات 2022: تقارب سياسي وأمني متسارع
اكتسبت العلاقات التركية الكازاخية زخماً إضافياً بعد الاضطرابات التي شهدتها كازاخستان في يناير/كانون الثاني 2022، عندما تحولت احتجاجات اندلعت بسبب ارتفاع أسعار الوقود إلى أعمال عنف دامية هزّت البلاد.
وخلال تلك الأزمة، أعلنت أنقرة دعمها الكامل لإدارة توكاييف، فيما أصدرت أربعة أحزاب رئيسية في البرلمان التركي بياناً مشتركاً نادراً أدانت فيه أعمال العنف وشددت على أهمية استقرار كازاخستان.
ومنذ ذلك الحين، شهد التعاون الدفاعي والاستراتيجي بين البلدين تسارعاً ملحوظاً، بالتوازي مع تصاعد التنسيق الدبلوماسي ضمن إطار “منظمة الدول التركية”، التي باتت تشكل إحدى أدوات السياسة الإقليمية لأنقرة في آسيا الوسطى.
ومن المقرر أن يشارك أردوغان وتوكاييف أيضاً في قمة غير رسمية للمنظمة بمدينة تركستان الكازاخية عقب انتهاء محادثات أستانا.
أنقرة تدفع نحو إعادة رسم طرق التجارة الإقليمية
خلال السنوات الأخيرة، كثفت تركيا جهودها للترويج لـ”الممر الأوسط” باعتباره بديلاً استراتيجياً للممرات التجارية التقليدية التي تمر عبر روسيا أو الممرات البحرية المزدحمة.
ويأتي هذا التوجه في ظل تغيرات كبرى في سلاسل التوريد العالمية بعد الحرب في أوكرانيا وتصاعد المنافسة الدولية على طرق التجارة والطاقة.
ووفق تقرير صادر عن البنك الدولي عام 2023، فإن حجم الشحنات عبر “الممر الأوسط” قد يتضاعف ثلاث مرات ليصل إلى 11 مليون طن بحلول عام 2030، مع إمكانية خفض زمن النقل إلى النصف.
كما تُظهر تقارير إقليمية أن حجم البضائع المنقولة عبر الطريق العابر لبحر قزوين ارتفع من 840 ألف طن عام 2021 إلى نحو 4.5 مليون طن في عام 2024، بينما تستهدف الدول المشاركة تجاوز حاجز 10 ملايين طن بحلول نهاية العقد الحالي.
ويرى محللون أن هذا التحول يمنح تركيا وكازاخستان موقعاً متقدماً داخل معادلة التجارة الدولية الجديدة، خاصة مع تنامي أهمية آسيا الوسطى كمركز للطاقة والعبور الجغرافي بين الشرق والغرب.
خلاصة
تعكس الاتفاقيات الجديدة بين تركيا وكازاخستان توجهاً نحو بناء شراكة استراتيجية أعمق تتجاوز الاقتصاد التقليدي، لتشمل الطاقة والنقل والتنسيق الجيوسياسي في آسيا الوسطى.
ومع تصاعد أهمية “الممر الأوسط” وتغير خرائط التجارة العالمية، تسعى أنقرة وأستانا إلى ترسيخ موقعهما كمحورين رئيسيين يربطان أوروبا بآسيا عبر شبكات جديدة للطاقة واللوجستيات.

