في ظل مناخ سياسي متوتر، وجّه زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض، أوزغور أوزل، اتهامات مباشرة للحكومة التركية باستخدام الجهاز القضائي كأداة للضغط على المعارضة، معتبرًا أن ما يجري يتجاوز استهداف أفراد أو بلديات بعينها ليطال الحزب ككيان سياسي متكامل.
وفي مقابلة مع صحيفة “بيرغون” داخل مكتبه في البرلمان، شدد أوزل على أن التحقيقات والإجراءات القضائية المتلاحقة ضد البلديات التي يديرها حزبه تمثل، في جوهرها، هجومًا سياسيًا منظمًا يستهدف تقويض موقع الحزب بعد مكاسبه الانتخابية.
خلفية التحول: انتصار انتخابي يقابله ضغط متصاعد
جاءت هذه التطورات في أعقاب الانتخابات المحلية التي جرت في مارس 2024، حيث حقق حزب الشعب الجمهوري فوزًا تاريخيًا على حزب العدالة والتنمية الحاكم، وتمكن من السيطرة على عدد كبير من البلديات الكبرى والمراكز الحضرية، في تحول غير مسبوق منذ عقود.
غير أن هذا التقدم السياسي سرعان ما واجه سلسلة من الإجراءات القضائية منذ أكتوبر 2024، شملت تحقيقات واعتقالات وإقالات طالت مسؤولين وبلديات تابعة للمعارضة، في مسار تصفه قيادات الحزب بمحاولة لإعادة تشكيل المشهد السياسي عبر القضاء بدلًا من صناديق الاقتراع.
نقطة التحول: اعتقال إمام أوغلو وتوسّع الحملة
بلغت الحملة ذروتها مع سجن رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو في مارس 2025، وهو الشخصية الأبرز في المعارضة والمرشح الرئاسي لحزب الشعب الجمهوري. ويرى أوزل أن السلطات فشلت في إقناع الرأي العام بالتهم الموجهة إليه، ما دفعها إلى توسيع دائرة الضغط لتشمل قيادات الحزب ومحيطهم الشخصي.
وفي هذا السياق، صرّح أوزل بوضوح: “إنهم يحاولون كسر إرادتي”، معتبرًا أن الهدف لم يعد قانونيًا بل سياسيًا بامتياز.
ضغوط على المعتقلين وشبهات “الشهادة القسرية”
اتهم أوزل النيابة العامة وشخصيات مقربة من الحكومة بمحاولة انتزاع إفادات من معتقلين من حزب الشعب الجمهوري عبر آلية “الندم الفعّال”، وهي أداة قانونية تتيح تخفيف العقوبات مقابل التعاون مع السلطات.
وأشار إلى أن رئيس بلدية أنطاليا المعتقل، محيي الدين بوجك، رفض الإدلاء بشهادات ملفقة رغم الضغوط، ونقل عنه قوله: “طُلب مني الافتراء على أشخاص، لكنني رفضت”.
كما تحدث عن محاولات لاستهداف شخصيات أخرى، من بينها رئيس بلدية مانيسا الراحل فردي زيرك، الذي توفي في يونيو 2025، قبل أن تتحول الضغوط – بحسب أوزل – نحو النائب البارز في الحزب ولي أغبابا.
استهداف الدائرة المقربة والضغط الشخصي
لم تقتصر الإجراءات على المسؤولين السياسيين، بل امتدت – وفق رواية أوزل – إلى محيطه الشخصي، حيث أشار إلى توقيف صديقه المقرب وإشبينه ديمرهان غوزاتشان، معتبرًا أن هذا النمط يعكس محاولة منهجية لعزله وإضعافه نفسيًا وسياسيًا.
تسريبات إعلامية وتوظيف للرواية القضائية
اتهم أوزل جهات رسمية بتسريب معلومات من ملفات التحقيق إلى وسائل إعلام موالية للحكومة، تُستخدم – بحسب قوله – في إنتاج محتوى تشهيري يستهدف شخصيات المعارضة.
ويرى أن هذه التسريبات تندرج ضمن استراتيجية متكاملة لتشكيل الرأي العام، عبر توظيف الإعلام بالتوازي مع الإجراءات القضائية، بما يخلق بيئة ضغط مركبة على الحزب.
الجدل حول المسؤولية: من يقف خلف الحملة؟
كشف أوزل عن تلقيه رسالة من سياسي في حزب العدالة والتنمية تفيد بأن الرئيس رجب طيب أردوغان والحزب الحاكم ليسا وراء التصعيد القضائي الأخير، وأن المبادرة تعود إلى وزير العدل أكين غورليك ومحيطه.
غير أن أوزل رفض هذا الطرح بشكل قاطع، معتبرًا أن النظام السياسي في تركيا لا يسمح باستقلالية فعلية في مثل هذه الملفات، وأن المسؤولية السياسية تقع في النهاية على عاتق القيادة التي تقوم بالتعيينات.
وأوضح أن فكرة الفصل بين القيادة السياسية والقرارات التنفيذية لم تعد مقنعة في ظل مركزية السلطة، قائلاً إن من يعيّن يتحمل تبعات القرارات إيجابًا وسلبًا.
دعوة إلى تعبئة سياسية أوسع
في خضم هذا التصعيد، دعا أوزل إلى تحرك أوسع من قوى المعارضة للدفاع عن النظام الديمقراطي، مؤكدًا أن القضية لم تعد مرتبطة بمستقبله السياسي الشخصي، بل بمصير التوازن السياسي في البلاد.
كما أعرب عن تقديره للدعم الذي تلقاه من بعض قادة المعارضة، لكنه شدد على الحاجة إلى موقف أكثر قوة، خاصة من الأحزاب الممثلة في البرلمان.
وحذّر من أن نجاح الحكومة في تحييد قيادة حزب الشعب الجمهوري قد يفتح الباب أمام موجة أوسع من الضغوط على مجمل المعارضة قبل أي استحقاق انتخابي قادم.
معطيات رقمية: حجم الضغط على البلديات المعارضة
تعكس الأرقام المتداولة في الإعلام التركي حجم الضغوط الواقعة على الحزب، حيث تم سجن ثلاثة وعشرين رئيس بلدية من حزب الشعب الجمهوري منذ انتخابات 2024، لا يزال عشرون منهم قيد الاحتجاز، بينما أُقيل خمسة وعشرون من مناصبهم.
إلى جانب ذلك، خسر الحزب عددًا من البلديات نتيجة انشقاقات، حيث انضم بعض رؤساء البلديات المنتخبين باسمه إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم، ما زاد من تعقيد المشهد السياسي.
قراءة تحليلية: صراع على شرعية المرحلة المقبلة
تكشف هذه التطورات عن صراع عميق يتجاوز الخلافات الحزبية التقليدية، ليصل إلى مسألة من يملك الشرعية السياسية في المرحلة المقبلة: نتائج صناديق الاقتراع أم أدوات الدولة المؤسسية.
السلطة، من جهتها، تطرح خطابًا يرتكز على مكافحة الفساد وتطبيق القانون، بينما ترى المعارضة أن هذا الخطاب يُستخدم كغطاء لإعادة هندسة التوازنات السياسية بعد خسائر انتخابية مؤلمة.
في هذا السياق، يبدو أن البلديات أصبحت ساحة مركزية للصراع، ليس فقط بسبب مواردها ونفوذها المحلي، بل لأنها تشكل قاعدة انطلاق محتملة لأي منافسة رئاسية مستقبلية.
خلاصة
التوتر بين الحكومة والمعارضة في تركيا يدخل مرحلة أكثر حساسية، حيث يتقاطع المسار القضائي مع الحسابات السياسية في معركة مفتوحة على مستقبل السلطة.
التحركات الحالية تعكس محاولة لإعادة ضبط ميزان القوى بعد انتخابات 2024، وسط مخاوف من تداعيات أوسع على الحياة السياسية والديمقراطية.
الوسوم

