في تحليل قدمه عبر صفحته على يوتيوب، يُقدم الكاتب الصحفي التركي ليفنت غولتكين قراءة معمقة ومعقدة للمشهد الراهن المتعلق بملف “التسوية الكردية” في تركيا، معتبراً أن العملية تمر بحالة من الانسداد الاستراتيجي نتيجة تضارب المصالح والحسابات بين أطراف المربع السياسي: السلطة، جريرة “إمرالي” حيث يقبع فيه زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، وحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب الكردي والزعيم الكردي الآخر المعتقل أيضا صلاح الدين دميرطاش في “أدرنة”.
الصدع الكبير: براغماتية أوجلان في مواجهة ممانعة دميرطاش
يرى غولتكين أن جوهر الأزمة الراهنة يكمن في وجود انقسام حاد داخل البيت السياسي الكردي؛ فبينما يبدي عبد الله أوجلان وقيادة وحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب رغبة واضحة وصريحة في الانضمام إلى “تحالف الجمهور” ودعم ترشح رجب طيب أردوغان لولاية رئاسية جديدة مقابل تقدم في الملف الكردي، يبرز صلاح الدين دميرطاش كعقبة رئيسية أمام هذا التوجه [7، 8]. ويحلل غولتكين غضب أوجلان الأخير، الذي طالب دميرطاش صراحة إما بدعم المسار أو “الصمت”، بأنه ناتج عن رفض الأخير القاطع لتقديم صك غفران سياسي لأردوغان، مفضلاً البقاء في السجن على أن يكون جزءاً من صفقة تضمن بقاء أردوغان في السلطة.
ويكشف غولتكين عن وجود تيار قوي داخل الحركة الكردية يتبنى نهج “التحصيل السياسي”؛ أي التفاوض المباشر مع السلطة للحصول على مكاسب ملموسة مثل تحسين وضع أوجلان (ما يسميه بوضع ربطة العنق أو منح الصفة السياسية لأوجلان) مقابل ضمان استمرار حكم أردوغان. غير أن تمسك دميرطاش بموقفه جعل من المستحيل على الحزب الكردي تقديم التزام علني لأردوغان، خشية انقسام الحزب وتشتت قاعدته الشعبية.
حسابات أردوغان: مقايضة الأصوات بـ”ضمانات البقاء“
من جانب السلطة، يحلل غولتكين استراتيجية أردوغان بأنها براغماتية بحتة؛ فهو يرفض الإقدام على أي خطوة تشريعية أو سياسية جادة في ملف التسوية قبل الحصول على إعلان رسمي ومسبق من حزب الديمقراطية والمساوات للشعوب بدعمه. ويرى غولتكين أن أردوغان يخشى خسارة أصوات القوميين في حال بدأ عملية تسوية دون أن يضمن تعويضها بأصوات الأكراد، مما يجعل العملية برمتها متوقفة على “ديكتاتورية الأرقام” الانتخابية.
ويضيف غولتكين أن الهدف الاستراتيجي للسلطة، بالتنسيق مع دولت بهجلي، كان يهدف إلى تثبيت قيادة أوجلان المطلقة وتهميش تأثير دميرطاش، ومن ثم نقل الكتلة التصويتية الكردية إلى “تحالف الجمهور”. لكن هذا المخطط اصطدم بواقع أن دميرطاش لا يزال يمتلك تأثيراً طاغياً على الناخب الكردي، وهو ما يمنع حزب الديمقراطية والمساوات للشعوب من اتخاذ خطوة الانبطاح الكامل للسلطة.
معضلة القاعدة الشعبية وانسداد أفق الحل
يشير غولتكين إلى فجوة واسعة بين طموحات القيادات السياسية وتوجهات الشارع الكردي؛ فحسب استطلاعات ونقاشات ميدانية نقلها الكاتب، فإن نحو 90% من ناخبي حزب الديمقراطية والمساوات للشعوب يرفضون دعم أردوغان، حتى لو تم اتخاذ خطوات في القضية الكردية. هذا الرفض الشعبي، مدعوماً بموقف دميرطاش، يضع حزب الديمقراطية والمساوات للشعوب في زاوية ضيقة؛ فهو عاجز عن إقناع أردوغان بصدق نواياه، وعاجز في الوقت ذاته عن ممارسة ضغط حقيقي على الشارع لتغيير قناعاته.
ويخلص غولتكين إلى أن كل التصريحات الراهنة من جانب السلطة أو من حزب الديمقراطية والمساوات للشعوب ليست سوى محاولات لإبقاء المسار حياً “سريرياً” دون تقدم حقيقي، حيث ينتظر أردوغان تأمين “بقائه” السياسي كشرط مسبق لأي تنازل، بينما يظل الملف الكردي رهينة لصراع الإرادات بين المعتقل في “إديرنة” والسجين في “إمرالي”.
خلاصة
يرى ليفنت غولتكين أن التسوية الكردية عالقة في مقايضة انتخابية مستحيلة، حيث يرفض أردوغان التحرك دون ضمان أصوات الأكراد، بينما يرفض دميرطاش والشارع الكردي منح هذا الضمان.

