قدم بولند أرينتش، بوصفه أحد الأقطاب المؤسسين والشخصيات الوازنة في حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، رؤية نقدية عميقة للواقع التركي الراهن، محذراً من مغبة الاستمرار في نهج “المظالم” التي خلفها عهد المراسيم التشريعية، وداعياً إلى “انفراجة” وطنية تعيد الثقة في مؤسسات الدولة.
ملف المراسيم التشريعية: قنبلة موقوتة في ميزانية العدالة
في برنامج شاركه، رأى أرينتش أن قضية المسرحين بموجب المراسيم التشريعية (KHK) تجاوزت كونها أزمة إدارية لتصبح عائقاً أمام السلم المجتمعي، مؤكداً أن الدولة التركية ستواجه مستقبلاً “التزامات مالية وتعويضات باهظة” لن يقوى الاقتصاد الوطني على تحملها فور تطبيق القرارات القضائية الحتمية بإعادة الحقوق. وانتقد أرينتش بشدة أداء “لجنة الطوارئ” التي يصف عملها بالبطء الشديد، حيث إنها شكلت من أجل إزالة المظالم عن من صدرت بحقهم قرارات قضائية بالبراء، لكن لم تقبل اللجنة سوى تسعة آلاف طلب من أصل مئة وثلاثين ألفاً، معتبراً أن استمرار إقصاء الأشخاص الذين برأهم القضاء يمثل “ظلمًا صريحًا” يتنافى مع مبدأ الدولة القانونية.
وسلط أرينتش الضوء على “المفارقات المأساوية” لضحايا هذه المراسيم، ذاكراً قصصاً واقعية لأكاديميين وقضاة وموظفين عموميين تحولوا إلى عمال نظافة أو باعة في محطات الوقود لتأمين لقمة العيش، مشدداً على أن اتهام الملايين بالانتماء لـ “منظمة إرهابية مسلح” بناءً على معايير فضفاضة وغير قانونية مثل “الارتباط والانتساب” هو مسار خاطئ يجب تصحيحه فوراً.
قدسية القضاء وحتمية الالتزام بالدستور
انتقد بولند أرينتش بشدة الأصوات التي تحاول تقسيم القضاء إلى “وطني” (محاكم الدرجة الأولى) و”غير وطني” (المحكمة الدستورية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان)، واصفاً صاحب هذا الطرح بـ “الأحمق” حتى وإن كان يحمل صفة مستشار رئاسي، في إشارة إلى تصريحات محمد أوتشوم التي دعا فيها إلى عدم تنفيذ الأحكام الأوروبية بحق أتباع حركة الخدمة و”الخروج عن الروتين” في مكافحتهم.
وأكد أرينتش أن الدستور التركي، لا سيما المادة التسعين، يفرض علوية الاتفاقيات الدولية والمحاكم العليا على القوانين المحلية، مشيراً إلى أن الامتناع عن تنفيذ أحكام المحكمة الدستورية هو مؤشر على “علامات الساعة القانونية” وفوضى تهدد كيان الدولة.
ويستحيل، من وجهة نظر أرينتش، انتقاء الأحكام القضائية بناءً على المصلحة السياسية؛ فالتزام الدولة بقرارات المحاكم العليا ليس خياراً، بل هو ركن أساسي في الهيكل الهرمي للعدالة الذي شارك حزبه في ترسيخه قبل سنوات.
المأساة الإنسانية في السجون و”حق الأمل“
عبر أرينتش عن قلقه العميق إزاء الأوضاع الإنسانية داخل السجون التركية، واصفاً حالات الاكتظاظ التي تجبر السجناء على النوم في الممرات أو التناوب على الأسرة. ويتحدث بمرارة عن معاناة كبار السن والمرضى من القضاة والمحافظين السابقين الذين يواجهون ظروفاً صحية قاسية دون رعاية كافية، معتبراً أن حرمان هؤلاء من “حق الأمل” يفتقر إلى المصلحة العامة.
وفي سياق المبادرات السياسية الأخيرة، رأى أرينتش أن من يسعون لمنح “مكانة قانونية لعبد الله أوجلان” (زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل) أو يدعونه للتحدث في البرلمان، يجب أن يبدؤوا أولاً بحل قضية ضحايا المراسيم التشريعية وتفعيل “حق الأمل” للجميع كخطوة تمهيدية لتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة.
الربط بين العدالة والتعافي الاقتصادي
ربط أرينتش بشكل عضوي بين الأزمة الاقتصادية الخانقة وغياب العدالة والأخلاق السياسية؛ فالفجوة الطبقية التي تجعل عشرة بالمئة فقط من المجتمع ينعمون بالرفاهية المطلقة بينما تعاني الأغلبية من الفقر، هي نتاج لغياب الرقابة والشفافية. ودافع عن سياسات التهدئة، مؤكداً أن الاقتصاد لن يتعافى إلا ببيئة قانونية مستقرة تعيد الثقة للمواطن والمستثمر.
ودعا أرينتش القيادة السياسية إلى تبني “لغة لينة” وحوار وطني واسع يشمل كافة الملفات، بما فيها المسألة الكردية، معتبراً أن تركيا بحاجة إلى “أوكسجين سياسي” للتخلص من حالة الاختناق والاحتقان التي يعيشها المجتمع، مستشهداً بمقولة تاريخية: “الديمقراطية هي أن يكون الطارق على بابك صباحاً هو بائع الحليب وليس رجل الأمن”.
خلاصة
أكد بولند أرينتش أن استقرار تركيا مرهون بشجاعة الدولة في العفو عن حقوقها وتصحيح مظالم المراسيم التشريعية، مشدداً على أن العدالة والقانون هما المخرج الوحيد للأزمات الاقتصادية والسياسية الراهنة.

