وصل أمس وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى العاصمة البريطانية لندن في زيارة تمتد ليومين، حاملاً على جدول أعماله ملفات إقليمية ودولية معقدة، في مقدمتها التوترات المرتبطة بإيران، والحرب المستمرة في أوكرانيا، إلى جانب مساعي تطوير العلاقات الثنائية بين أنقرة ولندن في مجالات التجارة والدفاع والطاقة.
وتأتي هذه الزيارة في لحظة حساسة تشهد فيها المنطقة تصاعداً في المخاطر الأمنية، لا سيما في الخليج، فضلاً عن استمرار الجمود العسكري والسياسي في أوكرانيا.
لقاءات رسمية واتفاق إطار استراتيجي جديد
خلال الزيارة، عقد فيدان اجتماعاً مع نظيرته البريطانية إيفيت كوبر، تمخض عنه توقيع “إطار الشراكة الاستراتيجية”، وهو اتفاق يهدف إلى تحديث البنية السياسية التي تحكم العلاقات بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي. ويُنظر إلى هذا الإطار باعتباره خطوة مؤسسية لإعادة ضبط العلاقات بما يتلاءم مع التحولات الجيوسياسية الراهنة.
كما يتضمن برنامج الزيارة لقاءات مع أعضاء في البرلمان البريطاني، وممثلين عن الجالية التركية، فضلاً عن شخصيات من قطاع الأعمال، في محاولة لتعزيز قنوات التواصل على المستويين الرسمي والمجتمعي.
سياق دبلوماسي متصل: من أنطاليا إلى لندن
تأتي هذه الزيارة بعد أيام قليلة من لقاء سابق جمع فيدان وكوبر على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي، حيث ناقش الطرفان آنذاك تطورات المشهد الإقليمي، في ظل تصاعد حدة التوتر المرتبط بإيران، وتزايد المخاطر على حركة الملاحة في الخليج. ويعكس تتابع اللقاءات رغبة مشتركة في الحفاظ على زخم التنسيق السياسي بين البلدين.
موقف تركيا من أزمتي إيران وأوكرانيا
من المتوقع أن يعيد فيدان التأكيد خلال محادثاته في لندن على موقف أنقرة الداعي إلى الحلول الدبلوماسية في ما يتعلق بالملف الإيراني، مع التشديد على ضرورة تجنب التصعيد العسكري. كما سيبرز استعداد تركيا للعب دور داعم في الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا، بما في ذلك الانخراط في أي مسار تفاوضي محتمل بين موسكو وكييف.
التجارة والطاقة والدفاع: محاور التعاون المتقدم
على الصعيد الاقتصادي، تسعى أنقرة إلى تسريع استكمال اتفاقية تجارة حرة محدثة مع المملكة المتحدة، تتجاوز الإطار الحالي وتفتح آفاقاً أوسع للتبادل التجاري والاستثمار. وقد أكد الجانبان في بيان مشترك عزمهما تعزيز التعاون في هذا المجال، بالتوازي مع توسيع الشراكة في قطاعات الطاقة والصناعات الدفاعية.
وفي هذا السياق، تبرز الصناعات الدفاعية كأحد أعمدة العلاقة الثنائية، خاصة بعد إعلان لندن في مارس الماضي عن اتفاق دعم وتدريب مرتبط بصفقة شراء تركيا لطائرات “تايفون” المقاتلة، ما يعكس تنامي الاعتماد المتبادل في المجال العسكري.
تفاصيل البيان المشترك: توسيع نطاق الشراكة
البيان الصادر عقب اللقاء أشار إلى أن إطار الشراكة الجديد سيشمل مجالات متعددة، من بينها الأمن والدفاع، والتنسيق داخل حلف الناتو، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، إضافة إلى السياسات الإنسانية والتنموية، والتغير المناخي، والتعاون العلمي والتكنولوجي. كما شدد البيان على نية الطرفين رفع حجم التجارة والاستثمارات الثنائية من خلال المفاوضات الجارية حول اتفاقية التجارة الحرة المطورة.
مسار المفاوضات التجارية: تقدم تدريجي
تأتي هذه التحركات في وقت تواصل فيه بريطانيا جهودها لتحديث اتفاقها التجاري مع تركيا. وكانت الحكومة البريطانية قد أعلنت في 18 مارس عن اختتام الجولة الرابعة من المفاوضات في لندن، مع توقع عقد جولة إضافية قبل حلول الصيف، ما يشير إلى تقدم تدريجي في هذا المسار.
شراكة تتكيف مع التحولات الدولية
تعكس هذه الزيارة توجهاً متزايداً لدى كل من تركيا والمملكة المتحدة لإعادة تعريف علاقتهما في مرحلة ما بعد “بريكست”، حيث تبحث لندن عن شركاء تجاريين واستراتيجيين خارج الإطار الأوروبي، بينما تسعى أنقرة إلى تنويع تحالفاتها وتعزيز موقعها كفاعل إقليمي محوري.
كما تكشف الملفات المطروحة عن تقاطع مصالح واضح في إدارة الأزمات الإقليمية، خاصة في ظل تراجع فعالية الأطر الدولية التقليدية، ما يفتح المجال أمام أدوار دبلوماسية مرنة تقودها قوى متوسطة مثل تركيا.

