أبرمت فرنسا وجمهورية قبرص (اليونانية) اتفاقًا دفاعيًا جديدًا يهدف إلى تعزيز التعاون العسكري بين البلدين، في إطار توجه أوروبي أوسع نحو تعزيز الاستقلال الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي.
ويتيح الاتفاق لباريس نشر قوات عسكرية على الأراضي القبرصية، مع استخدام الجزيرة كنقطة انطلاق للعمليات الإنسانية في شرق المتوسط والشرق الأوسط، وفق ما أعلنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته إلى نيقوسيا في أبريل الماضي.
الموقف التركي واعتراضاته القانونية
قوبل الاتفاق برفض حاد من جانب تركيا، التي اعتبرته انتهاكًا صريحًا للترتيبات القانونية التي تأسست عليها جمهورية قبرص عام 1960. وأكدت وزارة الدفاع التركية أن فرنسا ليست دولة ضامنة في نظام الضمانات القبرصي، وبالتالي لا يحق لها إبرام ترتيبات عسكرية من هذا النوع مع الجانب القبرصي اليوناني.
وترى أنقرة أن هذا الاتفاق يتجاهل بشكل متعمد ما تصفه بـ”الحقوق السيادية المتساوية” للقبارصة الأتراك، ويهدد بإحداث خلل في التوازن السياسي والأمني الدقيق القائم في الجزيرة. كما اعتبرت أن الخطوة تمثل محاولة أحادية لتغيير الوضع القائم دون توافق بين مكونات الجزيرة.
جذور الأزمة القبرصية
تعود جذور الانقسام في قبرص إلى عام 1974، حين تدخلت تركيا عسكريًا في شمال الجزيرة ردًا على انقلاب مدعوم من اليونان كان يهدف إلى ضم قبرص إليها. وأسفر ذلك عن انقسام فعلي لا يزال قائمًا حتى اليوم، حيث تسيطر جمهورية قبرص المعترف بها دوليًا على الجنوب، بينما يدير الشمال “جمهورية شمال قبرص التركية” التي لا تعترف بها سوى أنقرة.
هذا الواقع المعقد جعل من أي تحرك عسكري أو أمني في الجزيرة مسألة شديدة الحساسية، نظرًا لتداخل الاعتبارات القانونية والتاريخية والسياسية.
أبعاد أوروبية واستراتيجية أوسع
يمثل الاتفاق جزءًا من مسعى أوروبي لتعزيز الحضور العسكري في شرق المتوسط، وهي منطقة تشهد تنافسًا متزايدًا على النفوذ والطاقة. كما يعكس رغبة فرنسية في لعب دور أكبر في الأمن الإقليمي، خاصة في ظل التوترات الممتدة من ليبيا إلى الشرق الأوسط.
في المقابل، ترى تركيا في هذه التحركات محاولة لتطويق نفوذها الإقليمي، خصوصًا مع تصاعد التعاون بين بعض الدول الأوروبية واليونان وقبرص في ملفات الطاقة والدفاع.
تطورات وسياق حديث
في الأشهر الأخيرة، شهد شرق المتوسط تصاعدًا في الأنشطة العسكرية والتحالفات الدفاعية، بما في ذلك مناورات مشتركة واتفاقيات ثنائية متعددة. كما عاد ملف ترسيم الحدود البحرية وموارد الغاز إلى الواجهة، ما يزيد من حساسية أي وجود عسكري أجنبي في المنطقة.
إلى جانب ذلك، تتزايد الدعوات داخل الاتحاد الأوروبي لتعزيز قدراته الدفاعية المستقلة، وهو ما يمنح مثل هذه الاتفاقيات بعدًا يتجاوز الإطار الثنائي.
دلالات
يعكس التصعيد التركي تجاه الاتفاق قلقًا أعمق من إعادة تشكيل موازين القوى في شرق المتوسط. فتركيا لا تنظر إلى الاتفاق كترتيب دفاعي محدود، بل كجزء من شبكة تحالفات قد تقيد حركتها الاستراتيجية.
في المقابل، ترى فرنسا وقبرص أن التعاون العسكري مشروع في إطار السيادة الوطنية والشراكات الدولية، خاصة في ظل التحديات الأمنية المتزايدة في المنطقة.
هذا التباين في الرؤى يعكس غياب توافق دولي حول تفسير اتفاقيات 1960، ويؤكد أن الأزمة القبرصية لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة.
خلاصة
الاتفاق الفرنسي–القبرصي يعمّق الانقسام السياسي في شرق المتوسط ويثير جدلًا قانونيًا حول شرعيته. رد الفعل التركي يكشف عن صراع أوسع على النفوذ والتوازنات الإقليمية في منطقة شديدة الحساسية.

