يقدم الشيخ ألب أرسلان كويتول، رئيس وقف “الفرقان” الإسلامي، رؤية تحليلية معمقة للتحولات الدراماتيكية التي تعصف بالهيكل السياسي العالمي، معتبراً أن النظام الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى يمر بمرحلة احتضار فعلي.
ويرى كويتول، في تحليل قدمه عبر يتويوب، أن العالم ينتقل بوتيرة متسارعة من حقبة “قوة الحق” إلى عصر “حق القوة”، حيث تذوب القوانين الدولية لتترك المجال لسيادة “قانون الغاب” الذي تفرضه الدول الكبرى بموجب نفوذها العسكري والمادي.
ظاهرة ترامب: مشروع “الدولة العميقة” وليس مجرد فرد
في قراءته لشخصية الرئيس الأمريكي، يطرح الشيخ كويتول فرضية أن دونالد ترامب ليس مجرد طارئ على السياسة، بل هو “مشروع” أعدته الدولة الأمريكية بعناية. يوضح كويتول أن المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة ترسم خططها أولاً، ثم تختار الشخصية التي تتوافق مع متطلبات تنفيذ تلك الخطط؛ وفي هذه المرحلة، وجدت الدولة في ترامب الشخصية “المتهورة، المتكبرة، والمتغرسة” المطلوبة لكسر القواعد التقليدية وفرض إرادة واشنطن بالقوة. ويستدل كويتول على ذلك بأن عودة ترامب للمشهد رغم الملاحقات القضائية وأحداث اقتحام الكونجرس، لا يمكن تفسيرها إلا بكونه حاجة استراتيجية للدولة العميقة لتنفيذ أجندة توسعية وعدوانية لا يقوى عليها السياسيون التقليديون.
تفكك المظلة الدولية وانهيار المؤسسات القانونية
يشير كويتول بوضوح إلى أن المنظومة التي حكمت العالم لعقود، بما في ذلك الأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، إضافة إلى المواثيق الأممية لحقوق الإنسان، باتت مهددة بالزوال الوشيك. ويرصد رئيس وقف الفرقان بوادر هذا الانهيار في انسحاب أمريكا من منظمات حيوية مثل منظمة الصحة العالمية وإعلانها التخلي عن التزاماتها الدولية، مما يعني أن النظام العالمي الجديد لن يعترف بأي مرجعيات سوى المصالح القومية الضيقة. ويرى أن هذا التوجه سيؤدي بالضرورة إلى تحول الدول حول العالم إلى “دول بوليسية” تقمع شعوبها، مستفيدة من غياب الرقابة الدولية والضغط الأخلاقي الذي كانت تمارسه المنظمات الحقوقية سابقاً.
المقايضات الجيوسياسية: صفقة القرن بين واشنطن وموسكو
يكشف الشيخ كويتول عن وجود تحالفات سرية واتفاقات لتقاسم النفوذ بين القوى العظمى، وتحديداً بين روسيا والولايات المتحدة. وبحسب تحليله، فإن هناك مقايضة واضحة تتضمن:
- في الملف السوري: تنازل روسيا عن نفوذها في سوريا لصالح أمريكا، مع السماح لتركيا بلعب دور شكلي ومؤقت هناك، لتقوم واشنطن لاحقاً بإزاحة الجميع والانفراد بالسيطرة.
- في الملف الأوكراني: غض الطرف الأمريكي عن سيطرة بوتين على أجزاء واسعة من أوكرانيا، وهو ما يفسر الضغوط التي يمارسها ترامب على “زلينسكي” للقبول بتسوية ترضي المطامع الروسية.
- الأطماع التوسعية: سعي الولايات المتحدة لضم مناطق جديدة مثل “جرينلاند” وفنزويلا، وحتى كندا، لزيادة رقعتها الجغرافية وكتلتها البشرية لمنافسة الصين.
المعادلة الاقتصادية والعسكرية: سباق التسلح ونهاية دولة الرفاه
يتوقع كويتول أن يؤدي انهيار الاتفاقيات الدولية إلى اشتعال سباق تسلح نووي غير مسبوق، حيث ستسعى كل دولة لحماية نفسها بامتلاك الرادع النووي، خاصة بعد انهيار توازن القوى الذي كان قائماً بين واشنطن وموسكو. هذا التحول العسكري سيكون له ضريبة اقتصادية باهظة، خاصة في أوروبا؛ حيث يرى كويتول أن القارة العجوز ستضطر لضخ مئات المليارات (نحو 400 مليار دولار) في التصنيع العسكري، مما سيؤدي حتماً إلى تقليص ميزانيات الرفاه الاجتماعي والخدمات التعليمية، وإلغاء أو تخفيض إعانات البطالة التي كانت تميز النظم الأوروبية، وتحول الموارد من “إسعاد الشعوب” إلى “تخزين السلاح” لمواجهة التهديدات الوجودية.
بروز الأقطاب البديلة: صعود الصين ومجموعة “بريكس“
في ظل العدوانية الأمريكية، يرى الشيخ كويتول أن العالم يتجه نحو استقطاب جديد، حيث ستجد العديد من الدول، بما فيها دول أوروبية مثل فرنسا، نفسها مضطرة للارتقاء بعلاقاتها مع الصين كبديل استراتيجي. ويشير إلى أن مجموعة “بريكس” التي تضم قوى صاعدة مثل الهند والبرازيل وإيران ومصر، ستمثل الثقل الموازن للهيمنة الأمريكية. ويحذر من أن استمرار الضغط الأمريكي قد يدفع روسيا للارتماء بشكل كامل في أحضان الصين إذا ما شعرت بالغبن في صفقاتها مع واشنطن، مما سيخلق جبهة شرقية قوية قادرة على زعزعة الانفراد الأمريكي.
آفاق المستقبل
يخلص الشيخ ألب أرسلان كويتول إلى أننا نعيش إرهاصات تحول تاريخي كبير؛ فبينما تسعى أمريكا لتوسيع إمبراطوريتها ومضاعفة مساحتها لتاريخ يسجل اسم ترامب كـ”موحد للقارة”، فإن هذه الأطماع قد تنقلب وبالاً على النظام العالمي. ومع ذلك، يترك كويتول باب الأمل مفتوحاً من منظور إيماني، معتبراً أن هذه الصراعات والتقلبات الكونية قد تكون “تدبيراً إلهياً” لتهيئة الظروف لنهضة العالم الإسلامي واستيقاظ الشعوب من غفلتها أمام انهيار المنظومات المادية التي خذلت البشرية.

