تُعد التجربة السياسية التركية خلال الربع الأخير من القرن الحالي نموذجاً معقداً للتحولات الدراماتيكية، حيث يرى النجم الدولي والبرلماني السابق، هاكان شوكور، أن البلاد تعيش صراعاً بين ذاكرة الإصلاح وواقع التصلب المؤسساتي.
وفي رؤيته التي تستند إلى معايشة لصيقة لمراكز صنع القرار، يرى شوكور أن تركيا، التي شهدت تأسيس حزب العدالة والتنمية قبل نحو خمسة وعشرين عاماً، قد مرت بمنعطفات حادة حولت مسارها من الطموح الديمقراطي إلى نظام رئاسي شديد المركزية.
من المستطيل الأخضر إلى أروقة البرلمان: بواعث الصعود ومبررات الاستقالة
في حوار مع الصحفي التركي ياوز بيدار على يوتيوب، يوضح هاكان شوكور أن انخراطه في المعترك السياسي عام ٢٠١١ لم يكن نابعاً من خلفية أيديولوجية ضيقة؛ إذ يشير إلى أن عائلته، رغم تدينها الفطري، كانت تميل تقليدياً إلى قيم الديمقراطية الاجتماعية. ويؤكد أن انضمامه لحزب أردوغان آنذاك جاء في ذروة “عهد الإصلاحات” والتقارب مع المعايير الأوروبية، وهو المناخ الذي أشاع تفاؤلاً كبيراً لدى فئات واسعة من الشباب التركي.
إلا أن هذا التفاؤل سرعان ما اصطدم بحقائق “ألعاب الظل” السياسية، حيث يصف شوكور السياسة بأنها شابهت “ألاعيب الأقدام” في كرة القدم، ولكن بأسلوب يفتقر إلى الروح الرياضية، حيث تُحاك المؤامرات في الغرف المغلقة بعيداً عما يُعلن على المنابر. ويرى أن نقطة الانكسار القانوني بدأت بوضوح عند محاولة تقويض الدستور من خلال تشريعات استهدفت مراكز التعليم الخاصة (Dershaneler)، في مسعى للسيطرة الكاملة على التعليم في البلاد دون السماح للمبادرات الخاصة، وهو ما اعتبره شوكور خروجاً صريحاً عن القسم الدستوري الذي أداه.
عملية التلاعب الرياضي: أولى محطات السيطرة الشمولية
يكشف هاكان شوكور عن جانب غير مسلط عليه الضوء في التحولات السياسية التركية، معتبراً أن “عملية التلاعب” (Şike) في كرة القدم عام ٢٠١١ كانت بمثابة حجر الزاوية في بناء نظام الرجل الواحد. ويرى أن السلطة حاولت استغلال نفوذه كأيقونة لنادي غالاتاساري لتمرير أجندات معينة داخل البرلمان تهدف إلى الهيمنة على المؤسسات الرياضية الكبرى.
ويحلل شوكور هذا التوجه مستشهداً بـ “ديكتاتورية فرانكو” في إسبانيا، الذي استخدم كرة القدم كأداة لتنويم الجماهير وإلهائهم عن القضايا الجوهرية. ويرى أن السلطة في تركيا سعت لتحويل الملاعب إلى مسارح للولاء الأعمى، حيث يطالب القادة السياسيون الرياضيين بالتركيز على الدعاية الحزبية بدلاً من تعزيز الروح الجامعة للرياضة.
بنية النظام الحاكم: تحالف المصالح وتهميش المؤسسات
يشخص هاكان شوكور الواقع الراهن للدولة التركية بوصفه “نظاماً جنائزياً للمؤسسات الديمقراطية”، حيث تم استبدال البيروقراطية الرصينة بآليات الولاء الشخصي والتربح السياسي. ويشير إلى أن السياسة تحولت في نظر النخبة الحاكمة إلى وسيلة للإثراء السريع، مما جعل العودة إلى المسار القانوني مستحيلة بالنسبة لمن تورطوا في قضايا فساد كبرى، خوفاً من الحساب.
كما يسلط الضوء على ما يصفه بـ”استراتيجية التدجين”، مستخدماً استعارة المدير التنفيذي (CEO) الذي يتم عزله من خلال ترقيته صورياً وتجريده من صلاحياته الفعلية، وهو ما يراه مطبقاً على الشخصيات القوية داخل الحزب والحكومة التي أبدت اعتراضاً على انحراف المسار. ويؤكد أن هذا النظام يعتمد على خلق حالة من الاستقطاب الدائم (علماني/متدين، تركي/كردي) لضمان تماسك قاعدته الانتخابية من خلال الخوف والعداء للآخر.
المعوقات الراهنة ومستقبل الدولة: هل بدأت “الأشواط الإضافية”؟
في قراءته للمستقبل، يبدي هاكان شوكور تشاؤماً حيال قدرة المعارضة الحالية على إحداث تغيير جذري، متهماً بعض أطرافها بالانخراط في صفقات خلف الكواليس أو الاكتفاء بدور “المعارضة الشكلية” للحفاظ على امتيازات شخصية. ويستشهد بحالات لسياسيين ظهروا كرموز للأمل ثم تراجعوا أو انضموا لركب السلطة بمجرد تلويحها بالمغريات أو التهديدات.
وعلى الرغم من إقراره بصعوبة المشهد الحالي، حيث يعيش هو نفسه في المنفى بعد تجريده من كافة أصوله وممتلكاته في تركيا، إلا أنه يرى أن “عمر الظلام لا يطول”. ويعتقد شوكور أن النظام الحالي استنزف كافة أوراقه، وأنه يعيش الآن في مرحلة “الوقت بدل الضائع”، حيث بات الناس يدركون الحقائق لكنهم يفتقرون إلى الجرأة على التعبير في ظل القمع الأمني والإعلامي.
التحليل السياقي والأبعاد الحديثة
بالنظر إلى التطورات الأخيرة، يمكن تحليل رؤية شوكور كجزء من أزمة أوسع تعيشها الدولة التركية، حيث أدى الانتقال الكامل للنظام الرئاسي في عام ٢٠١٨ إلى إضعاف البرلمان بشكل غير مسبوق. إن إشارات شوكور إلى تسييس القضاء تتقاطع مع التقارير الدولية التي ترصد تراجع تركيا في مؤشرات سيادة القانون. كما أن استخدامه لاستعارة كرة القدم يعكس طبيعة “الشعبوية الرياضية” التي تستخدمها الأنظمة الهجينة لتعزيز شرعيتها. إن مأساة شوكور الشخصية، كواحد من أعظم هدافي تركيا الذي بات يُعامل كـ “إرهابي” في بلده، تلخص عمق الفجوة بين الدولة والمجتمع حين تطغى الحسابات السياسية على المنجزات الوطنية.

