في خطوة تعكس تسارع وتيرة الاستقطاب العسكري والأمني في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، اعتبرت جمهورية قبرص (اليونانية) أن شبكة الدفاع الجوي الجديدة “درع أخيل” – والمبرمة حديثاً بين اليونان وإسرائيل بقيمة تناهز ثلاثة مليارات يورو (نحو ثلاثة مليارات ونصف المليار دولار) – تمثل مظلة أمنية حيوية لحمايتها مما وصفته بـ “التهديد التركي المشترك”. وتأتي هذه التطورات لتسلط الضوء مجدداً على التشابكات الجيوسياسية المعقدة بين حلفاء الأمس وخصوم اليوم في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
جبهة موحدة في مواجهة أنقرة
أكد وزير الدفاع القبرصي، فاسيليس بالماس، صراحة أن كلاً من قبرص واليونان وإسرائيل تواجه خطراً مشتركاً ينبع من السياسات التركية في المنطقة. وفي تصريحات صحفية أدلى بها خلال حفل عسكري مخصص للطلبة القبارصة المتوجهين للدراسة في الأكاديميات العسكرية اليونانية، وصف بالماس الوجود العسكري التركي في الشطر الشمالي من الجزيرة بـ الاحتلال“، متهماً أنقرة بمواصلة خرق قواعد القانون الدولي واستمرار انتهاكاتها للمجال الجوي والمناطق البحرية اليونانية.
هذا الموقف وجد صدى مباشراً في تل أبيب؛ حيث ربط رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، صفقة “درع أخيل” بـ التحالف الإستراتيجي لشرق المتوسط الذي يجمع بلاده مع اليونان وقبرص، معتبراً إياها امتداداً طبيعياً للتفاهمات الأمنية الوثيقة بين الدول الثلاث. ويعيد هذا التنسيق إلى الأذهان القمة الثلاثية التاريخية التي ضمت نتنياهو والرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس في القدس في الثاني والعشرين من ديسمبر عام 2025 لترسيخ أسس هذا المحور الدفاعي.
أبعاد أضخم صفقة تسليح بين أثينا وتل أبيب
يمثل مشروع “درع أخيل” المنعطف الأبرز والأضخم في تاريخ العلاقات الدفاعية بين اليونان وإسرائيل. وجرى التوقيع على هذا الاتفاق الإستراتيجي في تل أبيب كجزء من خطة يونانية واسعة النطاق لـ تحديث منظومتها العسكرية وتطوير قواها المسلحة، وهي خطة رُصدت لها ميزانية طموحة تبلغ ثمانية وعشرين مليار يورو وتستمر حتى عام 2036.
وعلى الصعيد التقني، تتكون هذه المظلة الدفاعية المتطورة من منظومة إستراتيجية متكاملة تساهم في تصنيعها كبريات شركات التصنيع العسكري الإسرائيلية؛ حيث تجمع بين:
- منظومة الاعتراض الصاروخي “مقلاع داود” (David’s Sling) ونظام “سبايدر” (SPYDER) المصنعين من قِبل شركة “رافائيل” للصناعات الدفاعية المتقدمة.
- نظام الدفاع الجوي المتكامل “باراك إم إكس” (BARAK MX) المطور من قِبل شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية.
- رادارات مراقبة جوية متطورة ونظام قيادة وسيطرة وطني موحد.
ويهدف هذا العتاد العسكري المتقدم إلى تحصين الأجواء اليونانية ضد مصفوفة متنوعة من التهديدات تشمل الصواريخ الباليستية، والطائرات الحربية، والطائرات المسيرة (الدرونز). كما اشتمل الاتفاق على ملحق منفصل بقيمة ستة وعشرين مليون يورو لتوريد أنظمة “درون دوم” (Drone Dome) المخصصة لحماية المواقع الحيوية والإستراتيجية من هجمات الطائرات المسيرة الصغيرة.
القدرات الدفاعية لقبرص والتكامل التكتيكي
لم تكن نيقوسيا بعيدة عن هذا المسار؛ إذ تمتلك جمهورية قبرص (اليونانية) بالفعل وتدير منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية المتطورة “باراك إم إكس“. وفي خطوة لتعزيز دفاعاتها التكتيكية، صادقت الحكومة القبرصية مؤخراً على صفقة لشراء أربع منظومات دفاعية من طراز “قنطورس” (Kentavros) المضادة للطائرات المسيرة والمصنعة محلياً في اليونان. هذا التجانس في التسليح يسهم بشكل مباشر في خلق تآزر تكتيكي بين الدول الثلاث، مما يسهل دمج القدرات الدفاعية القبرصية في سياق المظلة الجوية الأوسع التي يوفرها “درع أخيل”.
سياق جيوسياسي متوتر: الجذور والآفاق
تتشابك الدوافع الكامنة وراء هذا التحالف الإستراتيجي لتتجاوز التنسيق العسكري البحت إلى أبعاد إقليمية غاية في التعقيد:
- التوتر الإسرائيلي التركي: تشهد العلاقات بين أنقرة وتل أبيب تدهوراً ملموساً نتيجة للتضارب الحاد في الأجندات والاهتمامات المتعارضة في الملف السوري، وهو ما دفع إسرائيل إلى تعزيز خياراتها الإستراتيجية وبناء شراكات دفاعية صلبة مع جيران تركيا الغربيين.
- المعادلة الصعبة داخل الناتو: يبرز التناقض الصارخ في كون اليونان وتركيا عضوين في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، ومع ذلك يخوض الطرفان نزاعات تاريخية مستمرة لم تجد طريقاً للحل، وتتركز حول ترسيم المياه الإقليمية، والحدود البحرية في شرق المتوسط، والسيادة على الأجواء، فضلاً عن الملف القبرصي الشائك.
- عقدة الجزيرة المقسمة: تظل قضية تقسيم قبرص المستمرة منذ عام 1974 – عقب التدخل العسكري التركي ورداً على محاولة انقلابية مدعومة من المجلس العسكري الحاكم في اليونان آنذاك لضم الجزيرة – محركاً أساسياً للمخاوف الأمنية في نيقوسيا. ويخضع الشطر الشمالي للجزيرة لسيطرة “جمهورية شمال قبرص التركية” غير المعترف بها دولياً سوى من أنقرة وتلقى دعماً عسكرياً تركياً مباشراً، بينما تسيطر جمهورية قبرص اليونانية المعترف بها دولياً على الشطر الجنوبي.

