في خطوة تعكس تحولاً جوهرياً في خريطة المعارضة التركية، أطلق أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول الكبرى، رسالة سياسية مدوية من خلف القضبان، بارك فيها بزوغ فجر “الحزب الجديد” بقيادة أوزغور أوزيل، والذي نجح في تبوؤ مكانة المعارضة الرئيسية تحت قبة البرلمان بتسعين نائبا.
لم تكن الرسالة مجرد تهنئة بروتوكولية، بل جاءت بمثابة بيان سياسي شامل يدعو فيه ستة وثمانين مليون مواطن تركي إلى نهضة جماعية لاستعادة قيم الجمهورية والعدالة.
تشريح الأزمة: “نظام القصر” ومآلات الانهيار المؤسسي
يرى إمام أوغلو أن جوهر المعضلة التركية يكمن في “نظام الحكومة الرئاسي”، الذي يصفه بالنظام “المشوّه” المسؤول مباشرة عن حالة التردي العام في مفاصل الدولة. ويؤكد التحليل الوارد في رسالته أن تركيا تعيش حالة من الانفصال عن قيمها التأسيسية، حيث تم النزول من “قطار الديمقراطية” لصالح تكريس سلطة الفرد الواحد والارتهان لإرادة “القصر” بدلاً من سيادة القانون. هذا التغول السلطوي أدى، بحسب رؤيته، إلى تحويل القضاء إلى أداة تابعة، مما أفقد المواطن ثقته في العدالة التي هي أساس الملك.
الواقع الاقتصادي والاجتماعي: حصاد “القاع” والأرقام الصادمة
تتجاوز رؤية إمام أوغلو النقد السياسي النظري لتلامس الواقع المعيشي المرير الذي يواجه الأتراك، حيث رصدت المصادر ملامح التدهور الاقتصادي في عدة نقاط مفصلية، حيث تجاوزت معدلات بطالة الشباب حاجز الخامسة والثلاثين بالمئة، مما جعل تركيا تتصدر القائمة الأوروبية في بطالة الخريجين الجامعيين، تزامناً مع سقوط ستين بالمئة من العاملين والمتقاعدين تحت خط الجوع. كما تعاني البلاد من عجز مزمن في كبح جماح التضخم، لاسيما تضخم الغذاء الذي بلغ مستويات قياسية عالمية، مما جعل تركيا في حالة تبعية غذائية وزراعية للخارج. كذلك أدى غياب الشفافية وانتشار المحسوبية إلى هروب الرساميل الوطنية وإحجام المستثمرين الأجانب عن دخول السوق التركية، مما فاقم حالة الإفلاس الاقتصادي.
نبض الشارع: “كشف حساب” حكومة أردوغان
وأشار إمام أوغلو إلى الأرقام الواردة في استطلاع حديث، إذ رصد فجوة هائلة بين السلطة الحاكمة وتطلعات الشعب، حيث يعكس حالة من السخط العام غير المسبوق، فثمانون بالمئة من المواطنين لا يثقون في النظام القضائي القائم، وخمسة وسبعون بالمئة يؤكدون عجز الحكومة عن إدارة الملف الاقتصادي أو إصلاحه، وسبعون بالمئة من الشعب يرى أن التضخم لن ينخفض، بينما يعبر سبعون بالمئة أيضاً عن عدم رضاهم عن المنظومة التعليمية، وخمسة وستون بالمئة من الأتراك يطالبون بإجراء انتخابات مبكرة كحل للخروج من الأزمة الراهنة.
استراتيجية المواجهة: سياسة الجيل الجديد والتحشيد المليوني
يقدم إمام أوغلو “سياسة الجيل الجديد” ليس كخيار سياسي ترفي، بل كضرورة حتمية لإنقاذ مستقبل البلاد، داعياً إلى حراك يشمل كافة أطياف المجتمع من عمال، وشباب، ونساء، ومنظمات مجتمع مدني. وتستند هذه الاستراتيجية إلى ركيزتين أساسيتين تتمثل في دعوة مليون متطوع ليكونوا حراس الديمقراطية في الصناديق، وضمان نزاهة العملية الانتخابية كواجب مقدس لحماية إرادة الشعب، وضرورة إنهاء “نظام القصر” الذي ينعزل فيه الحاكم في مبنى يضم أكثر من ألف غرفة، بعيداً عن آلام الناس وهمومهم، واستبداله بنظام يستمد طاقته من جيل الشباب الذي يمثل متوسط عمره خمسة وثلاثين عاماً في تركيا.
ميثاق المستقبل: معالم تركيا المنشودة
تتمثل الرؤية النهائية لهذا الحراك في بناء تركيا قوية قادرة على المنافسة عالمياً، من خلال إعادة الاعتبار للقيم التالية، بحسب إمام أوغلو، وهي السيادة المطلقة للأمة وتكريس الجمهورية الديمقراطية القائمة على سيادة القانون، واستقلال القضاء وحياديته التامة كضمانة للمواطنة المتساوية، وتحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة، مع التركيز على العلم والتكنولوجيا، إلى جانب تعزيز الإدارات المحلية وتمكين المواطن من المشاركة الفاعلة في صنع القرار.
يختم إمام أوغلو رسالته بدعوة صريحة للالتفاف حول قيادة أوزغور أوزيل في “الحزب الجديد”، معتبراً أن هذا المسار هو “المسيرة القوية” نحو المستقبل التي يجب أن ينخرط فيها الجميع بلا استثناء.

