في قراءة تحليلية مفصلة للتطورات السياسية التركية الراهنة، يطرح المحلل السياسي التركي جوهري جوفين قضايا بالغة الأهمية تتعلق بمسار التسوية الكردية الجاري وخلفياته التاريخية والميدانية المعقدة. ففي قراءته للأحداث، كشف جوفين عن “إنذار أخير” ورسالة بالغة الدلالة بعث بها الزعيم الكردي السجين صلاح الدين دميرطاش، والتي واجهت جداراً من التعتيم والرقابة الممنهجة من قبل وسائل الإعلام الكردية المحسوبة على حزب العمال الكردستاني وخط عبد الله أوجلان.
رسالة الزنزانة المشفرة: لغز “الكلمات المتقاطعة” وتحدي الصمت
يفيد المحلل جوهري جوفين بأن دميرطاش واجه حصاراً إعلامياً داخلياً غير مسبوق، حيث رفضت المنصات الإعلامية الكردية نشر رسالته الأخيرة المؤرخة في 5 سبتمبر/أيلول 2026. هذا المنع اضطر دميرطاش للبحث عن منصة بديلة خارج البلاد، ليجد ملاذه في الموقع الإلكتروني لجمعية كردية تأسست حديثاً في ألمانيا تُعرف باسم “جمعية كاد” (KAD). ويشبه جوفين هذه الحادثة بموقف صهر الرئيس التركي ووزير المالية الأسبق، برات ألبيرق، الذي حُجبت كلمات مروره وحظر شقيقه (الذي يدير مجموعة “توركوفاز” الإعلامية) نشر بيان استقالته في ٢٠٢٠، مما دفعه لبثه عبر إنستغرام لعدم توفر منبر آخر.
ويرى جوفين أن دميرطاش تعمد صياغة رسالته تحت عنوان مضلل رمزي هو “مذكرة بائع العلكة ميمو” (Sakızcı Memo) لتمرير انتقادات سياسية حارقة للنسخة الثانية لمفاوضات السلام الجارية مع العمال الكردستاني. الرسالة كُتبت في زنزانته التي يتقاسمها مع الطبيب والجراح الكردي عدنان سلجوق ميزراكلي البالغ من العمر 63 عاماً، والذي أمضى سبع سنوات رهن الاعتقال دون أدلة واضحة بعد توليه رئاسة بلدية ديار بكر لأربعة أشهر فقط، والمقرر إخلاء سبيله في الثامن من سبتمبر.
ويلفت جوفين إلى استخدام دميرطاش لحل شبكة “كلمات متقاطعة” وهمية لفك شفرات المشهد السياسي التركي الحالي كالتالي:
- مفهوم “الأخوة” وعقدة مجلس الأمن القومي: يصف دميرطاش “الأخوة” (التي من المفترض أن تنتشر بين الأتراك والأكراد بفضل مفاوضات السلام الكردي الثانية) في رسالته بأنها “حالة شعورية جماعية مهترئة ومفرغة من مضمونها يُظن واهماً أنها ستدخل حيز التنفيذ بموجب قرار من مجلس الأمن القومي التركي (MGK)”. وبحسب تحليل جوفين، فإن دميرطاش ينتقد هنا ربط ملف تصفية حزب العمال الكردستاني وسحب سلاحه بقرارات “مجلس الأمن القومي” ذي الصبغة العسكرية الأمنية، بدلاً من تفعيله عبر الإرادة البرلمانية والمشاركة المدنية والدستورية الفاعلة، مؤكداً أن أخوة حقيقية لا يمكن أن تولد بمرسوم عسكري.
- مفهوم “العدالة” والكرامة المهدرة: يعبر دميرطاش عن العدالة بكلمة من ستة أحرف، يصف سؤالها بأنه “جزء لا يتجزأ من الكرامة الإنسانية يُفترض خطأً أنه سيأتي بموجب قرار من مجلس الأمن القومي ولو متأخراً”.
- سخرية “مضغ العلكة” وتناقض الأحكام: يصف دميرطاش كيف يجلس طبيب ديار بكر النزيه (ميزراكلي) المعتقل لسنوات ليشاهد عبر تلفاز الزنزانة الضيق دخول رئيس بلدية أنقرة الأسبق، مليح غوكشيك (المتهم بقضايا فساد كبرى وبيع أراضي العاصمة “قطعة قطعة”)، إلى المحكمة وهو يمضغ العلكة متفاخراً بخروجه حراً دون حساب.
- لغز “الإرادة” والتمرد على خط “إيمرالي“: يبرز دميرطاش كلمة “إرادة” بخط عريض من خمسة أحرف عمودية، مشيراً بسخرية إلى أنه “لا سؤال لها بل جواب فقط”. ويرى جوفين في هذا الترميز “تمردًا واضحاً” وهجوماً لاذعاً على قادة حزب “الديمقراطية والمساواة للشعوب” الكردي (DEM) وعبد الله أوجلان. فالقادة الكرد أعلنوا مراراً أن “أوجلان هو إرادتنا المطلقة”، وهو ما اعتبره دميرطاش تنازلاً غير مقبول عن الإرادة السياسية لملايين الناخبين الأكراد الذين وهبوا أصواتهم للتمثيل البرلماني الشرعي.
- إطفاء التلفاز كإعلان الرفض: في إشارة رمزية بالغة الدلالة، يذكر دميرطاش أنه مع رفيقه قاما بخفض صوت التلفاز تماماً عند بدء بث الأخبار التي تستعرض “تفاصيل وتطورات عملية السلام المزعومة”. ويفسر جوفين هذا السلوك بأنه إعلان صريح من دميرطاش بأنه لا يعبأ بهذه العملية السياسية النخبوية ولا يأخذها على محمل الجد، معتبراً إياها مسرحية تفتقر لأبسط شروط العدالة والأخوة الحقيقية.
سياق الرقابة الكردية: الحصار من الداخل والاتفاقات الفوقية
يوضح جوهري جوفين أن كبريات الصحف والوكالات الإخبارية الكردية، مثل صحيفة “يني ياشام” ووكالة “ميزوبوتاميا” ووكالة “إي إن إف” (ANF)، مارست رقابة وتعتيماً تاماً على جوهر رسالة دميرطاش. واكتفت هذه المنصات باقتطاع بضعة أسطر باردة تشير فقط إلى موعد إطلاق سراح سلجوق ميزراكلي، متجاهلة بالكامل التحليلات العميقة والانتقادات الموجهة لمجلس الأمن القومي والتبعية العمياء لأوجلان ومشروعه.
ويؤكد جوفين أن قرار الحظر الإعلامي هذا لم يكن قراراً فردياً اتخذه صغار المحررين أو الصحفيين الميدانيين، بل هو قرار “فوقي” صارم نابع من دوائر القرار العليا المرتبطة بعبد الله أوجلان والتفاهمات المباشرة بينه وبين السلطة التركية بقيادة رجب طيب أردوغان. ويهدف هذا التعتيم إلى منع دميرطاش من التشويش على “مسار التصفية الجاري” وتصوير أي صوت منتقد للاتفاق كعنصر تخريبي أو انفصالي.
ذاكرة “حرب الخنادق” لعام 2015: قصة التواطؤ المشترك
يعود المحلل السياسي جوهري جوفين بالذاكرة إلى أحداث عام 2015 الدامية ومسألة حفر الخنادق في المدن الكردية (مثل جزيرة وسيلوبي ولجي وديار بكر). ويكشف جوفين أن الآلية الإعلامية الكردية والتركية على حد سواء مارست ذات الرقابة والمنع الممنهج في تلك الفترة لحجب الحقيقة.
ويعضد جوفين طرحه بوثائق رسمية من محاضر جلسات دفاع دميرطاش أمام المحكمة في عام 2018. فقد صرح دميرطاش علناً في دفاعه أنه قام بزيارة كافة المدن المعنية وعقد مؤتمرات حاشدة عارض فيها حفر الخنادق وحذر من جر البلاد إلى أتون الحرب المدمرة مجددا، بيد أن صوته جرى كتمه ولم تنشر وسائل الإعلام الكردية أو التركية السائدة تصريحاته تلك تجنباً لإفساد مخطط المواجهة المخططة القادمة بين عناصر الكردستاني وقوات الأمن.
ويكشف جوفين تفاصيل حول التنسيق الضمني بين أطراف النزاع لتأجيج تلك الحرب:
- اتصالات خط الطوارئ (155): أجرى المواطنون الأكراد آلاف المكالمات مع الشرطة للإبلاغ عن دخول غرباء يحفرون خنادق ويزرعون متفجرات بجانب منازل أطفالهم. ورغم وجود هذه التسجيلات، رفض المحافظون (الولاة) إعطاء تصاريح للجيش أو الشرطة للتدخل امتثالا لمطالب الحكومة، نظراً لأن القوانين السارية بين 2013 و2015 حظرت أي عمليات عسكرية دون إذن كتابي مباشر من المحافظ.
- شهادة ضابط القوات الخاصة: يشير جوفين إلى مقابلات حصرية أجراها عام 2019 مع ضباط في القوات الخاصة التركية شاركوا في تلك العمليات. وأكد هؤلاء الضباط أنهم شاهدوا عمليات التفخيخ والتحصين بأعينهم وأبلغوا قيادتهم، لكن الولاة منعوهم من التدخل حتى أنهت المجموعات الكردية كافة استعداداتها الحربية لتبدأ بعدها الأوامر بالاقتحام الشامل والتدمير الفوضوي للمدن عبر الدبابات.
- مشتريات السلاح والتفخيخ المسبق: خلال مسار السلام الأول المزعوم (بين أعوام ٢٠١٢ – ٢٠١٥)، صرحت مسؤولة في جهاز الاستخبارات التركي (MİT) خلال مفاوضات “أوسلو” لقادة حزب العمال الكردستاني بأن الدولة تعلم تماماً بملء المدن بالمتفجرات. وبالتوازي مع ذلك، رصدت حكومة أردوغان مئات الملايين من الدولارات لشراء أسلحة متطورة مخصصة لحرب الشوارع لصالح الأمن والدرك ووفرتها في المدن الكردية مسبقاً.
- التحالف الخفي لخدمة الأهداف السياسية: يخلص جوفين إلى أن قرار إشعال حرب الخنادق كان قراراً ثنائياً مشتركاً بين أردوغان وأوجلان. فقد كان أردوغان يطمح لتهيئة مناخ حرب يستعيد به السيطرة السياسية بعد خسارته لانتخابات 7 يونيو/حزيران 2015، بينما منح أوجلان من معتقله الضوء الأخضر لإرسال المقاتلين وبدء القتال الحضري المدمر.
شبح عام 2004: صفقات الاستخبارات العسكرية في زمن الإصلاحات
يسلط جوهري جوفين الضوء على سيناريو تاريخي مشابه جرى في عامي 2003 و2004. ففي الوقت الذي كانت فيه حكومة حزب العدالة والتنمية تخوض غمار إصلاحات ديمقراطية كبرى للوفاء بمعايير الاتحاد الأوروبي—شملت إلغاء عقوبة الإعدام (التي خدمت أوجلان نفسه)، وضمان الحريات الإعلامية والتحدث باللغة الكردية، وإضفاء الطابع المدني على مجلس الأمن القومي ومنع التعذيب—تفاجأ الجميع بإصدار عبد الله أوجلان أمراً عاجلاً باستئناف العمليات المسلحة لحزب العمال الكردستاني.
ويشرح جوفين خلفيات هذا اللغز بالتأكيد على أن إدارة سجن “إيمرالي” في ذلك الوقت كانت خاضعة لجهاز الاستخبارات العسكرية في الأركان العامة قبل انتقالها لاحقاً إلى المخابرات المدنية (MİT). وكان تيار من الجنرالات العسكريين الساعين للانقلاب ضد الحكومة (أمثال يشار بيوكانيت وإيلكر باشبوغ وشينير إيرويغور) يشعرون بالقلق البالغ من تآكل نفوذهم العسكري جراء القوانين الأوروبية الديمقراطية. ولزعزعة استقرار السلطة وزيادة الحاجة المجتمعية للقبضة العسكرية، أوعز هؤلاء الجنرالات لأوجلان بإشعال الجبهات مجدداً، ونُقلت توجيهاته الحربية للميدان عبر وسطاء رفيعي المستوى تم تسهيل دخولهم لإيمرالي بشكل واعٍ ومنظم.
ويستحضر جوفين كدليل إضافي تفاصيل هجوم “داغليجا” الشهير في أكتوبر/تشرين الأول 2007، حيث هاجم 150 مقاتلاً كردياً المخفر الحدودي في عملية مصورة هزت الرأي العام وأسفرت عن سقوط قتلى وأسر جنود. ويشير إلى أنه تم ترك المخفر دون إسناد عسكري أو جوي لمدة 10 ساعات متواصلة لإثارة الغضب الشعبي ضد الحكومة وتوجيه دفة انتخابات الرئاسة. ويؤكد جوفين أنه بصفته مديراً سابقاً لقسم الأخبار في صحيفة “ستار” التركية، التقى بقائد المخفر في ذلك الحين، أونور ديريك، في عام 2009، والذي أكد له تعرضه للتهميش وحرمانه من التعزيزات الدفاعية والاقتصار على أعمال البناء لتسهيل الاختراق.
نموذج “الأرجوحة” السياسية: تفكيك التحالفات والتركيع الكامل
يرى جوهري جوفين أن الرئيس رجب طيب أردوغان، عقب تمكنه من السيطرة الكاملة على جهاز الاستخبارات التركي (MİT) بتعيين هاكان فيدان عام 2010، اطلع على الأرشيف السري لكيفية توظيف الجنرالات لورقة أوجلان وحزب العمال الكردستاني. وقرر أردوغان استعارة نفس المبدأ وتأسيس ما يسميه جوفين بنموذج “الأرجوحة السياسية” الدخول في تفاهمات وسلام مع أوجلان حينما تقتضي مصلحة البقاء في السلطة ذلك، وإشعال الحرب واللعب على الوتر القومي المتطرف متى ما تطلبت الموازين الانتخابية التعبئة.
وبموجب هذا النموذج، عمل أردوغان على تصفية تحالفه التأسيسي الواسع (الذي ضم الليبراليين والديمقراطيين والأكراد وحركة كولن وقيادات كبرى مثل عبد الله غول وبولنت أرينج)، وتحويل حزبه إلى سلطة الرجل الواحد القائمة على تفاهمات ثنائية حصرية ومباشرة مع أوجلان في جزيرة إيمرالي. وقد كشفت محاضر مفاوضات إيمرالي التي تسربت ونشرتها صحيفة “ملّيت” التركية قديماً أن أوجلان كان منفتحاً على تقديم الدعم الكامل لتأسيس النظام الرئاسي المطلق لصالح أردوغان مقابل حسابات المصالح الثنائية.
غير أن هذا المخطط اصطدم آنذاك بجدار الزعيم الكردي صلاح الدين دميرطاش وشعاره الشهير الذي قاله في وجه أردوغان، “لن نجعلك رئيساً”، مما عجل بانهيار العملية برمتها بقرار من قيادة السلطة. والآن، وفي سياق التطورات الراهنة لعام 2026، يشير جوفين إلى أن أردوغان يعمل بالتنسيق مع أوجلان على إحكام القبضة تماماً على حزب الديمقراطية والمساوات للشعوب الكردي. ويكشف عن خطة لعقد مؤتمر لإعادة هيكلة الحزب الكردي قريباً لدمج قيادات قادمة من أوروبا تابعة مباشرة لخط إيمرالي، بهدف خلق بيئة سياسية كردية ذات تبعية مطلقة لا تخرج عن حدود توازنات واستراتيجيات أردوغان.
نذر الانفجار الاجتماعي: غياب المؤسسات وظهور فاعلين بدلاء
يحذر المحلل السياسي جوهري جوفين من التداعيات البالغة الخطورة المترتبة على نقل حلول القضايا المصيرية الكبرى من تحت قبة البرلمان والمؤسسات الديمقراطية الدستورية الشفافة إلى الغرف الاستخباراتية المظلمة ومفاوضات الكواليس الثنائية. فغياب الإصلاحات القانونية والدستورية الشاملة التي تضمن الحريات والكرامة الإنسانية للجميع يجعل البيئة المجتمعية هشة وقابلة للانفجار عند أي احتكاك بسيط.
ويضرب جوفين مثالاً سياقياً دقيقاً بالحادثة العنصرية الأخيرة التي استهدفت العمال الزراعيين الأكراد الموسميين في ولاية “زونغولداك” شمالي البلاد. ففي غياب دولة القانون والمحاسبة المؤسسية، تدخلت “مافيات” كردية تقيم في بريطانيا وتتبع خطوطاً عنيفة ومستقلة، لتحدد موقع العائلة المعتدية وتستهدف منزلها ومقر جمعية رجال الأعمال التابعة لزونغولداك في إسطنبول بالرصاص الحي، معلقة لافتات تعلن الولاء لرموز محلية (“مظلوم” و”هالو”).
ويحذر جوفين من أن هذا الحادث يمثل إشارة خطر صغيرة تعكس كيف يمكن للأوضاع أن تفلت من السيطرة. فالصفقات الفوقية المعزولة بين أردوغان وأوجلان لن تؤدي إلى سلام مستدام، بل ستدفع نحو تشظي الساحات وظهور جماعات مسلحة جديدة أو “مافيات” تمارس العنف خارج الأطر التقليدية لحزب العمال الكردستاني والسلطات الحاكمة.
وفي الوقت الذي يعلن فيه أردوغان نجاحه في الهيمنة على الخارطة السياسية بوضع شخصيات موالية له على رأس حزب الشعب الجمهوري (CHP) المعارض وإبعاد أكرم إمام أوغلو وحصار كمال كليجدار أوغلو، يسعى الآن لإكمال حلقته بإخضاع الحراك السياسي الكردي بشكل كامل لإرادة أوجلان الخاضعة بدروها لقرارات مجلس الأمن القومي التركي. وهو ما يراه جوهري جوفين بمثابة وصفة لكارثة وطنية مقبلة ما لم يجر تدارك الأمور وإعادة العملية السياسية إلى مسارها الديمقراطي الشفاف.

