تتجاوز القراءة العميقة للمشهد السياسي التركي الراهن مجرد التساؤلات العابرة حول الحالة الصحية للرئيس أردوغان، لتنفذ إلى صلب البنية الهيكلية للنظام الحاكم، حيث يرى المحلل السياسي التركي أمره أوسلو أن الدولة تمر بحالة من “الغيبوبة السياسية” التي قد تسبق الانهيار الكلي.
في تحليل قدمه عبر صفحته على يوتيوب، قال أوسلو: “بينما انشغلت الأوساط بتواري الرئيس عن الأنظار منذ منتصف يوليو الماضي وما تلاه من ظهور شاحب بصوت متهدج، تبرز محاولات من أجنحة السلطة لـ”تحنيط” هذا الوجود الرمزي لضمان استمرارية النظام، وكأن بقاء الهيكل مرهون ببقاء مظهر القائد حتى لو فقد فاعليته الحقيقية.”
مخاض المعارضة واستراتيجيات الحصار الفاشلة
لفت أوسلو إلى أن التحركات الأخيرة تجاه حزب الشعب الجمهوري تكشف عن ارتباك في دوائر صنع القرار؛ فمحاولة تحجيم “أكرم إمام أوغلو” عبر المسارات القضائية لم تؤدِ إلى نسيانه كما كان مخططاً، بل تحولت إلى وقود سياسي عزز من شعبية المعارضة وجعل منها ضحية في أعين الجمهور. ومع إخفاق هذه الضغوط، حسب أوسلو، لجأ النظام إلى سياسة “نقل الدم” القسرية عبر محاولة سحب رؤساء بلديات من المعارضة أو تعيين أوصياء، في سلوك يشبه الكائنات التي تحاول البقاء على قيد الحياة عبر امتصاص مقدرات الآخرين.
وتابع أوسلو: “وفي تطور لافت، بدأت تظهر تشققات في جدار الولاء التاريخي، حيث رُصدت تحولات في مواقف شخصيات محسوبة على “النظام القديم” مثل “دولت بهجلي” و”إلكر باشبوغ”، والذين أظهروا دعماً غير متوقع لتوجهات “أوزغور أوزيل”. هذا التغير الجذري تزعمه تقارير عن استقالة نحو نصف مليون عضو من حزب الشعب الجمهوري تحت قيادة كمال كليجدار أوغلو للانضمام إلى تشكيل سياسي جديد، مع استعداد شعبي لتمويل هذا البديل ذاتياً، وهو ما يمثل ناقوس خطر لأي سلطة تفقد قدرتها على احتواء الشارع مالياً وسياسياً”.
الاختناق الاقتصادي وضريبة “اليأس“
كما أشار أوسلو إلى أن السياسات النقدية المتشددة التي قادها “محمد شيمشك” لم تفلح في كبح جماح التضخم أو استعادة الثقة، حيث أن التآكل الداخلي في مفاصل الدولة يحول دون نجاح أي وصفة إصلاحية. وتتجلى ذروة الأزمة في الانتقادات الحادة التي وجهتها صحف مقربة من السلطة مثل “يني شفق”، والتي هاجمت سياسات البنك المركزي وثبات أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، محذرة من توجهات لفرض ضرائب على مدخرات الأفراد من العملات الأجنبية.
هذا التململ من قطاعات الصناعة والتجارة يثبت أن البرنامج الاقتصادي الحالي بات يشكل عبئاً حتى على حلفاء النظام، حيث يُنظر إلى محاولات تقييد “الدولرة” على أنها ضريبة عجز تفرض على المواطن العادي لحماية نخب اقتصادية محدودة تدور في فلك السلطة، وفق أوسلو.
خارطة طريق الانهيار: ملامح التشابه مع الأنظمة السلطوية
وقارن أوسلو بين السلوك الحالي للنظام التركي وبين السنوات الثلاث الأخيرة لأنظمة سابقة مثل نظام القذافي، ومبارك، وبن علي، وصدام حسين، ليكشف تطابقاً مخيفاً في “مخطط العمل” الذي تتبعه الأنظمة حين تدخل مرحلة الغيبوبة، وأجمل هذه الملامح كما يلي:
- الارتهان للمنظومة الأمنية: بدلاً من إدارة الأزمات عبر العمل السياسي، يتم التوسع في الاستثمار في أجهزة الاستخبارات والشرطة، واعتماد القمع والترهيب وسيلة وحيدة للسيطرة على المجال العام.
- وعود الإصلاح الجوفاء: تقديم تنازلات شكلية أو وعود بتغييرات دستورية (كما في قضية الإصلاح القضائي أو الملف الكردي) مع الحرص التام على عدم تقاسم السلطة الحقيقية، وهي سياسة “الملعقة والقدر” التي تعطي القليل وتسلب الكثير.
- شيطنة الآخر والتبعية للخارج: اتهام المعارضة بالعمالة للقوى الغربية، أو “اللوبي الإسرائيلي”، أو وصفهم بالخونة والجواسيس، وهي التهمة الجاهزة التي استُخدمت في كافة الأنظمة التي سبقت لحظة السقوط.
- اقتصاد النخبة المحمية: حصر الامتيازات المالية في دائرة ضيقة من العائلات ورجال الأعمال والبيروقراطية الأمنية المحيطة برأس السلطة، مما يعمق الفجوة الطبقية ويزيد من وتيرة الاحتقان الاجتماعي.
الرمق الأخير وعوامل البقاء القسري
واستدرك المحلل التركي قائلا إن دخول النظام في حالة “الغيبوبة” لا يعني موته الوشيك بالضرورة؛ فالأنظمة قد تبقى على أجهزة دعم الحياة لسنوات طوال. وفي الحالة التركية، كما يرى أوسلو، يظل “الموقع الاستراتيجي” للدولة وعلاقتها بالهندسة الأمنية لحلف الناتو هي الرئة الاصطناعية التي تمد النظام بالأكسجين الدولي. غير أنه أكد أن هذا الاستقرار الخارجي لا يمكنه معالجة العفن الداخلي الذي أصاب القلب والعقل والروح في بنية النظام.
واعتبر أوسلو أن سقوط السلطة في تركيا يعتمد على قدرة المعارضة على اتخاذ خطوات صحيحة في توقيتات حرجة، في ظل نظام يفقد تدريجياً قدرته على الاستجابة للتحديات، مكتفياً بانتظار معجزة من تقلبات السياق الدولي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

