في تطور لافت يعكس حجم القلق المتصاعد داخل الأوساط المحافظة في تركيا، وجّه السياسي والبرلماني السابق في حزب العدالة والتنمية متين كولونك انتقادات غير مسبوقة للأداء السياسي والاقتصادي للحكومة، محذراً من تراجع التأييد الشعبي للرئيس رجب طيب أردوغان ولحزب العدالة والتنمية، في ظل تفاقم الأزمة المعيشية واتساع الفجوة بين السلطة والشارع.
كولونك، المعروف بقربه التاريخي من الدوائر القومية والمحافظة داخل الحزب، ظهر في تسجيل مصور عبر قناته على يوتيوب تحت عنوان “متين كولونك يجيب”، حيث قدّم قراءة سياسية شديدة الصراحة للوضع الداخلي، معتبراً أن التآكل لم يعد يقتصر على الحزب فحسب، بل طال “البنية الاجتماعية والسياسية التي يستند إليها أردوغان نفسه”.
الأزمة الاقتصادية في صلب الغضب الشعبي
ركز كولونك بشكل أساسي على التدهور الاقتصادي باعتباره المحرك الرئيسي لحالة الغضب الشعبي المتنامية تجاه السلطة.
وقال إن المواطن التركي لم يعد يحتمل الضغوط المعيشية المتزايدة، مشيراً إلى أن “المائدة ضعفت والجيب أصبح فارغاً”، في توصيف مباشر للأزمة التي تضرب الشرائح الوسطى والفقيرة والمتقاعدين وأصحاب الدخل المحدود.
وانتقد بشدة ما وصفه بالرؤية التقليدية داخل السلطة التي تراهن على فتح الإنفاق العام قبيل الانتخابات لاستعادة الشعبية، معتبراً أن هذه المقاربة فقدت تأثيرها ولم تعد تقنع الشارع التركي.
وأوضح أن أي خطوات اقتصادية إنقاذية يجب أن تبدأ فوراً وليس عشية الانتخابات، داعياً إلى إجراءات عاجلة لتخفيف العبء عن المتقاعدين والعمال والطلاب وأصحاب المحال الصغيرة.
دعوة لفرض “ضريبة توازن اجتماعي” على الأثرياء
في واحدة من أبرز النقاط التي أثارت الانتباه، اقترح كولونك فرض ما سماه “ضريبة التوازن الاجتماعي” على أصحاب الثروات الكبرى داخل تركيا.
ودعا إلى إلزام ما بين مليون ومليوني شخص من كبار الأثرياء بالمساهمة في تحمل الأعباء الاقتصادية خلال المرحلة الحالية، عبر فرض ضريبة استثنائية على الثروات الكبيرة وتوجيه عائداتها لدعم الفئات المتضررة من الأزمة.
كما طالب بإعادة الأموال التركية الموجودة في الخارج إلى الداخل، معتبراً أن البلاد تحتاج إلى تعبئة اقتصادية وطنية شاملة لعبور المرحلة الحرجة.
وفي هذا السياق، انتقد الصورة الذهنية المتشكلة لدى قطاعات واسعة من المجتمع تجاه حزب العدالة والتنمية، قائلاً إن الشارع بات يرى الحزب وكأنه “حزب للأثرياء” بينما أُغلقت الأبواب أمام الفقراء والطبقات الشعبية التي كانت تشكل قاعدته الأساسية.
رسالة مباشرة إلى أردوغان ورجال الأعمال
كولونك دعا الرئيس أردوغان إلى عقد اجتماع موسع مع كبرى الهيئات الاقتصادية ومنظمات رجال الأعمال، من بينها اتحاد الغرف والبورصات التركية، وجمعية الصناعيين ورجال الأعمال الأتراك “توسياد”، و”موصياد”، و”أسكون”، من أجل تحميل الطبقة الاقتصادية النافذة جزءاً من تكلفة الأزمة.
وبحسب رؤيته، فإن المرحلة الانتقالية التي تمر بها تركيا أنهكت المجتمع إلى حد كبير، ولم يعد ممكناً استمرار السياسات الاقتصادية الحالية دون مساهمة حقيقية من أصحاب الرساميل الكبرى.
“الشارع يريد معاقبة تحالف الجمهور”
أكثر تصريحات كولونك حساسية تمثلت في حديثه عن المزاج الانتخابي داخل الشارع التركي.
فقد أكد أن قطاعاً مهماً من الناخبين بات يحمل رغبة واضحة في “معاقبة” تحالف الجمهور الحاكم، مضيفاً أن هذا الغضب لا يرتبط بقوة المعارضة أو نجاح حزب الشعب الجمهوري، بل بسلوك السلطة نفسها.
وقال إن المواطنين لا يرون المعارضة قادرة على إنتاج سياسات مقنعة أو تقديم نموذج حكم موثوق، لكنهم في الوقت ذاته يشعرون بأن الحكومة أصبحت في حالة صدام مع الشارع وغير قادرة على الإصغاء لتوقعاته ومطالبه.
وأضاف أن المجتمع التركي “لا يحب العناد مع الناس”، في إشارة إلى ما يعتبره تجاهلاً رسمياً للاحتجاجات الاجتماعية والضغوط الاقتصادية المتزايدة.
“سوسيولوجيا أردوغان تتآكل”
في أكثر المقاطع إثارة للجدل، تحدث كولونك بصراحة عن تراجع “السوسيولوجيا السياسية” للرئيس أردوغان، وهي عبارة تحمل دلالات عميقة في الخطاب السياسي التركي، إذ تشير إلى الحاضنة الاجتماعية والثقافية والشعبية التي يستند إليها الزعيم السياسي.
وقال إن حزب العدالة والتنمية فقد عملياً قاعدته الاجتماعية التقليدية، مضيفاً أن التآكل وصل إلى البنية الشعبية الخاصة بأردوغان نفسه.
وأشار إلى أن هذه العملية بدأت بشكل واضح منذ سنوات، رغم النجاحات التي حققتها تركيا على مستوى السياسة الخارجية والتموضع الاستراتيجي الإقليمي والدولي.
وبحسب كولونك، فإن أردوغان تمكن بعد محاولة الانقلاب الغامضة في 15 تموز/يوليو 2016 من الوصول إلى مستويات تأييد قاربت 70 بالمئة، إلا أن هذا الزخم الشعبي بدأ بالتراجع التدريجي خلال الأعوام اللاحقة.
وأكد أنه سبق أن حذر من هذا التراجع خلال عامي 2023 و2024، داعياً قيادات الحزب إلى “وضع القبعات أمامهم والتفكير بجدية” في أسباب فقدان القاعدة الشعبية.
العدالة كطريق وحيد لاستعادة الثقة
ورأى كولونك أن استعادة التأييد الشعبي لا يمكن أن تتم عبر الحملات الدعائية أو الخطابات السياسية، بل من خلال إعادة بناء الثقة بمؤسسات العدالة.
وأوضح أن الشارع التركي بات يطرح أسئلة مباشرة حول ما إذا كانت شخصيات مقربة من السلطة أو من داخل تحالف الجمهور ستخضع للمحاسبة القانونية إذا ثبت تورطها في ملفات فساد أو تجاوزات.
وأشار إلى أن المواطنين يرون فساد المعارضة، لكنهم يتساءلون في الوقت ذاته إن كانت السلطة مستعدة لتطبيق العدالة على نفسها أيضاً.
كما استشهد بتصريحات سابقة لوزير العدل التركي حين سُئل عن إمكانية ظهور ملفات فساد تخص شخصيات قريبة من الحكم، فأجاب بأن ذلك قد يحدث مستقبلاً.
انتقاد “الثراء الاستعراضي” داخل الأوساط المحافظة
كولونك وجّه كذلك انتقادات حادة لما وصفه بـ”النموذج النيوليبرالي المتدين” الذي نشأ خلال سنوات حكم العدالة والتنمية، معتبراً أن بعض الأوساط المرتبطة بالحزب تبنت أنماط حياة استعراضية منفصلة عن واقع المجتمع.
وتحدث عما سماه “ترف دبي” و”النزعة الاستهلاكية الجديدة” لدى بعض رجال الأعمال والأثرياء الذين صعدوا خلال عهد الحزب، معتبراً أن هذا المشهد خلق فجوة نفسية وأخلاقية بين السلطة وقواعدها الاجتماعية التقليدية.
وقال إن الشارع التركي بات يرى هذا “الفساد الاجتماعي والأخلاقي” بوضوح، وإن حالة الترف المبالغ فيه أصبحت مصدر غضب واسع داخل البيئات المحافظة نفسها.
سياق سياسي حساس قبل الاستحقاقات المقبلة
تأتي تصريحات كولونك في وقت تواجه فيه الحكومة التركية تحديات اقتصادية متراكمة، تشمل التضخم المرتفع وتراجع القدرة الشرائية وازدياد معدلات الفقر والديون، بالتزامن مع محاولات رسمية لاستعادة الثقة الاقتصادية عبر سياسات نقدية أكثر تشدداً.
كما تتزامن هذه التصريحات مع تصاعد النقاش داخل حزب العدالة والتنمية حول مستقبل الحزب بعد التراجع الملحوظ الذي ظهر في الانتخابات البلدية الأخيرة، والتي اعتُبرت واحدة من أصعب المحطات السياسية التي واجهها الحزب منذ وصوله إلى السلطة عام 2002.
ويرى مراقبون أن أهمية تصريحات كولونك لا تكمن فقط في مضمونها، بل في كونها صادرة عن شخصية محسوبة تاريخياً على التيار القومي المحافظ القريب من أردوغان، ما يعكس اتساع مساحة القلق داخل المعسكر الحاكم نفسه.
خلاصة
تعكس تصريحات متين كولونك حجم التوتر المتصاعد داخل البيئة السياسية المؤيدة للسلطة في تركيا، في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة وشعور متزايد بانفصال النخب الحاكمة عن الشارع.
كما تكشف هذه المواقف عن بداية مراجعات داخلية أعمق بشأن مستقبل العدالة والتنمية وقدرته على الحفاظ على قاعدته الاجتماعية التقليدية.

