يطرح المحلل السياسي التركي ياوز أجار تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة الضجيج الذي أثارته جهات إعلامية ذات صلة بدوائر الحكومة، والذي يصور زعيم المافيا المعتقل في إيطاليا “باريش بوين” كخليفة محتمل لعبد الله أوجلان، أو كقائد لتنظيم “أكثر إجرامية” من حزب العمال الكردستاني.
في حوار هاتفي مع موقع “تركيا توديز”، يلفت أجار إلى أن قضية باريش بوين، وما يسمى بـ”التنظيم البديل” ضمن سياقات سياسية وأمنية، قد تتجاوز مجرد العمل الجنائي لتصل إلى حد صناعة “العدو المفيد” وتوظيف الجريمة المنظمة في خدمة الأجندات السياسية الكبرى.
ويقول المحلل: “أن هذا التوجه قد لا يكون مجرد انعكاس لمخاوف أمنية عادية من حدوث فراغ بعد تراجع العمال الكردستاني، تزامنا مع النسخة الثانية من المفاوضات الحالية الرامية إلى تسوية القضية الكردية، بل قد يرتقي ليكون محاولة “ممنهجة” لإنتاج تنظيم “مسيطر عليه” (Controlled PKK). فالدولة، في بعض أدبياتها الأمنية العميقة، قد تجد في “المنظمات الوهمية” أداة مثالية لتنفيذ المهام القذرة بعيداً عن المساءلة القانونية، ولإيجاد ذريعة دائمة لتعطيل المسار الديمقراطي والالتفاف على المطالب المشروعة المتعلقة بالحقوق الكردية. فبدلاً من حل القضية سياسياً، يتم تصدير واجهة إجرامية مرعبة تبرر استمرار القبضة الأمنية وتمنح الدولة مسوغاً لرفض أي اعتراف سياسي تحت دعوى “مكافحة الإرهاب الجديد”، على حد تعبيره.
باريش بوين بين الحقيقة والتزييف
من جانبه، يكشف المحلل السياسي المعروف جوهري جوفين، في تحليل نشره عبر صفحته على يوتيوب، التناقض الصارخ في شخصية باريش بوين الذي تحاول البروباغندا الحكومية تقديمه كزعيم راديكالي. فبوين، المنحدر من منطقة بيوغلو في إسطنبول، له جذور ترتبط بالتيار القومي المتطرف المدعو بالذئاب الرمادية، ولم يُعرف عنه يوماً أي نشاط سياسي أو أيديولوجي كردي قبل هروبه إلى الخارج. ويؤكد جوفين أن ادعاءاته في التسجيلات الصوتية التي التقطها المدعي العام الإيطالي حول تأسيس “ثورة جديدة” أو مراسلة قيادات العمال الكردستاني في جبال قنديل، ليست سوى “تحركات تكتيكية”. فمن جهة، يسعى بوين للحصول على لجوء سياسي في إيطاليا عبر ادعاء الاضطهاد بصفته “ناشطاً كردياً”، ومن جهة أخرى يحاول جذب الشباب المهمشين في ضواحي المدن الكبرى عبر تبني خطاب “المظلومية الكردية” لتجنيدهم في أعماله الإجرامية المحضة. ويشير جوفين إلى أن نمط حياة بوين، الذي يتباهى بقيادة سيارات “الفيراري” في شوارع إسطنبول، ينسف أي ادعاء بالانتماء لحركة ثورية أو نضالية كردية.
التوظيف السياسي لـ”عصابات الضواحي” وشيطنة الهوية
يشير جوهري جوفين إلى خطورة “خرائط العصابات” التي بدأت تروج لها وسائل إعلام مقربة من الأجهزة الأمنية (مثل موقع سيربيستيت)، والتي تركز بشكل لافت على الأصول الكردية لزعماء العصابات في إسطنبول. هذا التوجه، بحسب جوفين، يخدم غرضين؛ الأول هو وصم الهوية الكردية بالإجرام، والثاني هو تحميل القوى السياسية الكردية، وتحديداً حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب المؤيد للأكراد، مسؤولية الفراغ الأمني في تلك المناطق. ويعتبر جوفين أن كتابات بعض الشخصيات المرتبطة بجهاز الاستخبارات، مثل إلهامي إيشيك، التي تدعي أن العصابات ملأت الفراغ الذي تركه المسلحون، هي محاولة واضحة لتحويل الملف من قضية تقصير أمني للدولة إلى أزمة سياسية تخص المكون الكردي وحده.
المافيا الكردية في مواجهة “مافيا الدولة العميقة“
يضع جوهري جوفين مقارنة رقمية ونوعية تفضح حجم التضخيم الإعلامي لظاهرة باريش بوين؛ إذ يرى أن كل العصابات التي توصف بـ “الكردية” مجتمعة لا تشكل وزناً حقيقياً أمام إمبراطوريات الجريمة المنظمة “التركية” التقليدية، مثل “مافيا البحر الأسود” التي تضم أسماء مثل علاء الدين تشاكيجي وسارالار. فهذه التنظيمات الأخيرة تمتلك نفوذاً تاريخياً واقتصادياً هائلاً وعلاقات متشعبة داخل أجهزة الدولة نفسها، مما يجعل التركيز على بوين وعصابته الناشئة يبدو كعملية “صرف نظر” متعمدة عن القوى الحقيقية التي تحرك خيوط الجريمة والسياسة في البلاد.
السياق السياسي العام: البروباغندا وتصفية التمثيل السياسي
يربط جوهري جوفين بين هذه الموجة الإعلامية وبين التحركات السياسية الأخيرة، مثل مقابلة الصحفي روشن شاكر مع أحد قيادات العمال الكردستاني دوران كالفان، واصفاً إياها بأنها جزء من عملية “علاقات عامة” (PR) تهدف إلى تمرير مسار سياسي محدد. هذا المسار يسعى، حسب تحليل جوفين، إلى حصر القضية الكردية في شخص عبد الله أوجلان فقط، مع تهميش وإضعاف القيادات السياسية المنتخبة مثل صلاح الدين دميرتاش المعتقل وحزب الديمقراطية والمساوات للشعوب. إن خلق بعبع “التنظيم الأكثر إجراماً” بقيادة بوين يساهم في إخافة الشارع التركي ودفع القوى السياسية الكردية إلى الزاوية، مما يسهل على السلطة تمرير تعديلات دستورية أو ترتيبات سياسية تضمن بقاءها دون حل جذري وحقيقي للقضية الكردية.
خلاصة
وفقاً لـجوهري جوفين، فإن قضية باريش بوين هي مثال حي على كيفية تحويل ملف جنائي صغير إلى أداة بروباغندا سياسية ضخمة. إن الدولة التي تدعي “إنهاء الإرهاب” تجد نفسها في حاجة مستمرة لوجود “تهديد” يبرر سياساتها الاستثنائية، وإذا لم يتوفر هذا التهديد بشكل طبيعي، فإن آلة البروباغندا والملفات الأمنية كفيلة بصناعته، سواء عبر تضخيم عصابة شوارع أو عبر محاولة “إنتاج” تنظيمات بديلة تخدم في النهاية منطق “الاستمرارية الأمنية” على حساب “الحل السياسي الديمقراطي”.

