شهدت ولاية قهرمان مرعش التركية، في منتصف الشهر الجاري، فصلاً مأساوياً من فصول العنف المدرسي الذي هزّ أركان المجتمع؛ حيث اقتحم طالب في الرابعة عشرة من عمره مدرسة “آيسر تشاليق” الإعدادية، مستخدماً أسلحة تعود لوالده، ليفتح النار بشكل عشوائي.
هذه الجريمة المروعة لم تكن مجرد حادثة أمنية عابرة، بل أسفرت عن حصيلة ثقيلة تمثلت في مقتل معلم وثمانية طلاب، مما وضع البلاد أمام صدمة وطنية كبرى أعادت إلى الواجهة نقاشات محتدمة حول انتشار السلاح وتآكل الأمن المجتمعي.
بروتوكول الحداد: حضور رسمي وانتقائية مثيرة للجدل
لم تتوقف أصداء الفاجعة عند حدود الجريمة، بل انتقلت إلى ساحات التشييع، حيث رصد الكاتب الصحفي التركي آدم ياوز أرسلان، في مقاله بموقع “توركيش مينوت”، تبايناً حاداً في تعامل الدولة مع ضحايا الحادثة. فبينما غصت جنازات الضحايا الآخرين بتمثيل رسمي رفيع المستوى، تجلى في حضور وزراء العدل (أكين غورلك)، والداخلية (مصطفى تشيفتشي)، والتعليم (يوسف تكين)، بدت جنازة الطفل يوسف طارق غول، البالغ من العمر أحد عشر عاماً، مشهداً من العزلة والغياب الرسمي التام. ويرى أرسلان أن هذا “الحداد الانتقائي” لم يكن محض صدفة، بل عكس توزيعاً مدروساً لممثلي الدولة على الجنائز، مستثنياً الطفل يوسف من مظلة الرعاية الرسمية التي شملت أقرانه.
جذور الإقصاء: ضريبة الانتماء والوصم السياسي
يُرجع آدم ياوز أرسلان هذا التمييز حتى في طقوس الموت لطفل، رمز البراءة، إلى الخلفية العائلة السياسية، حيث كان والده يعمل ضابط شرطة قبل أن يُفصل من عمله بموجب مرسوم حكومي في أعقاب محاولة الانقلاب الغامضة في يوليو ٢٠١٦، التي تتهم حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان حركة “كولن” بتدبيرها، وهو ما تنفيه الحركة بشكل قاطع، وتصف أحداث ليلة الانقلاب بـ”عملية راية كاذبة استخباراتية”، مدبرة من قبل الحكومة، لتكون ذريعة لازمة لإجراء حملات التصفية الجماعية التي بدأت من الليلة نفسها.
العدالة تحت المجهر: عقاب جماعي وتساؤلات حقوقية
تكتسب هذه الحادثة أبعاداً حقوقية تتجاوز السياق المحلي، حيث يربطها أرسلان بقلق المنظمات الدولية مثل “هيون رايتس ووتش” ومنظمة العفو الدولية حيال ممارسات “العقاب الجماعي” في تركيا. ويرى الكاتب أن حرمان طفل من حقه في مساواة التمثيل الرسمي في جنازته يمثل اختباراً حقيقياً لمبدأ “المواطنة المتساوية” وواجب الدولة في الوقوف على مسافة واحدة من جميع مواطنيها. فبالرغم من كون تركيا عضواً في حلف “الناتو” ومرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، إلا أن هذه الممارسات، بحسب أرسلان، تكشف عن فجوة عميقة بين الالتزامات الديمقراطية المعلنة والممارسات الفعلية التي تكرس الاستقطاب.
مرآة الكراهية: قراءة في سيكولوجيا السلطة والمجتمع
في تحليله العميق، لا يرى أرسلان في غياب المسؤولين عن جنازة يوسف مجرد خلل بروتوكولي، بل يعتبره مرآة تعكس تغلغل الأيديولوجيا في أدق تفاصيل التجربة الإنسانية، مشبهاً ذلك بنماذج تاريخية مثل “الهولوكوست” حيث لم يتوقف التمييز عند حدود الحياة، بل طال الموت والذاكرة. إن هذه الواقعة تكشف، وفقاً لرؤيته، عن “خواء روحي ونفسي” وتصدعات خطيرة في النسيج المجتمعي التركي، حيث تصبح براءة الأطفال أداة لتصفية الحسابات السياسية، مما يحول لحظات الحزن الجماعي من فرصة للوحدة إلى ساحة لتكريس الانقسام والتمييز المؤسسي.

