بقلم: سليم نيازي أوغلو
تشهد منطقة الخليج العربي انعطافة بنيوية في طبيعة التفاعلات العسكرية والسياسية، حيث تجاوز الصراع بين واشنطن وطهران حدود المناوشات التقليدية ليتحول إلى مرحلة “الاشتباك المباشر” الذي يتخذ من الجغرافيا سلاحاً استراتيجياً. ولم يعد مضيق هرمز مجرد شريان حيوي لنقل الطاقة، بل أضحى “ورقة ضغط عملياتية” توظفها إيران لفرض معادلات ردع جديدة، معلنةً عن تحول التهديدات بإغلاق الممر من إطار المناورة الخطابية إلى سياسة ميدانية مدعومة باستعداد عسكري لاستهداف الحركة الملاحية بشكل شامل.
استراتيجية حافة الهاوية: من العقوبات إلى المواجهة البحرية
انتقل المشهد من سياسات الاحتواء الاقتصادي والعقوبات إلى صدام ميداني في عرض البحر، حيث وسعت الولايات المتحدة نطاق عملياتها لتشمل استهداف السفن المرتبطة بالنشاط الإيراني في بحر عمان والخليج، سعياً منها لتقويض القدرات التصديرية النفطية لطهران. هذا التصعيد أدى إلى دخول الصراع مرحلة دموية، تجسدت في حوادث ميدانية كبرى مثل مقتل بحارة هنود بالقرب من سواحل سلطنة عمان، مما يعكس تعقيد المشهد الأمني وتداخل الأطراف الدولية فيه. وفي المقابل، تتبنى طهران نمط “الحرب غير المتكافئة”، مستغلةً تفوقها الجغرافي لرفع كلفة أي مواجهة عسكرية على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية.
العصب الحيوي تحت المجهر: جزيرة “خرج” ومعضلة أمن الطاقة
تمثل جزيرة “خرج” حجر الزاوية في هذه المواجهة، لكونها المنطلق لنحو تسعين بالمئة من الصادرات النفطية الإيرانية. وفي حين تدرس الدوائر العسكرية الأمريكية خيارات السيطرة على هذه الجزيرة لشل قدرة طهران المالية، تبرز مخاطر استراتيجية كبرى تحول دون ذلك، من بينها التكلفة اللوجستية الباهظة، واحتمالية تعرض القوات المهاجمة لضربات مكثفة بالطائرات المسيرة والصواريخ، فضلاً عن أن استهدافها سيُعتبر بمثابة “إعلان حرب شاملة” قد يشعل المنطقة بأكملها. وتزداد هذه التعقيدات مع نجاح إيران في إيجاد مسارات بديلة وشبكات تصدير غير رسمية، لا سيما باتجاه الأسواق الصينية، مما يفرغ سياسة “تجفيف الموارد” من محتواها المطلق.
تضارب الأجندات: التباين الأمريكي الإسرائيلي وحسابات القوى
رغم التحالف الاستراتيجي، تبرز فجوة في الأولويات بين واشنطن وتل أبيب؛ فبينما ترى إسرائيل في طهران تهديداً وجودياً يتطلب مواجهة مستمرة لتغيير موازين القوى الإقليمية، تبدو الولايات المتحدة مكبلة بحسابات عالمية أكثر تعقيداً. واشنطن تجد نفسها مستنزفة في الجبهة الأوكرانية، ومنشغلة بالتنافس الاستراتيجي مع الصين، فضلاً عن اضطرابات البحر الأحمر وملف تايوان، مما يجعلها تميل إلى تجنب الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة رغم انخراطها في دوامة التصعيد.
الارتهان العالمي و”فخ التصعيد” المستمر
تتحرك الأطراف المعنية ضمن ما يمكن تسميته “فخ التصعيد”، حيث يخشى كل طرف أن يُفسر تراجعه كعلامة ضعف؛ فإيران تخشى فقدان هيبتها الإقليمية، وواشنطن تخشى على مكانتها الدولية، بينما تسعى إسرائيل لمنع طهران من استعادة زخمها. هذا التجاذب أفرز تداعيات تجاوزت الإقليم، حيث تحاول القوى الآسيوية كالصين والهند واليابان تأمين إمداداتها، بينما تستغل روسيا الانشغال الأمريكي لتعزيز حضورها، في حين يقف “الجنوب العالمي” موقف المتشكك من ازدواجية المعايير الدولية.
آفاق المستقبل: نحو استنزاف طويل الأمد
في ظل غياب أفق دبلوماسي ملموس، يتجه مضيق هرمز ليصبح بؤرة توتر دائمة ومسرحاً لحرب استنزاف مفتوحة. السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس عن إمكانية وقوع الصادم، بل عن القدرة على ضبط إيقاعه في ظل ضغوط إقليمية متشددة قد تسحب القوى الكبرى إلى مسارات لم تكن تخطط لها، مما يجعل الملاحة الدولية رهينة لمعادلة “الخوف المتبادل”.
خلاصة
يتحول مضيق هرمز من ممر تجاري إلى ساحة لصراع إرادات دولي، حيث تتداخل فيه حسابات أمن الطاقة العالمي بضرورات الردع العسكري، مما ينذر بمرحلة استنزاف طويلة الأمد تفتقر إلى مخارج سياسية واضحة.

