وسّعت الولايات المتحدة نطاق عقوباتها المفروضة على الشبكات المالية المرتبطة بإيران، بإدراج شركة تركية تعمل في مجال التكنولوجيا المالية ومقرها إسطنبول، إلى جانب رئيس مجلس إدارتها الإيراني، ضمن قائمة العقوبات الأمريكية، بعد اتهامهما بالمساهمة في إنشاء منظومة مالية استخدمت – بحسب واشنطن – للالتفاف على العقوبات المفروضة على طهران.
وأعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأمريكية إدراج شركة Zedpay Financial Systems and Services Inc. (Zedpay) ورئيس مجلس إدارتها مهدي رضازاده على قائمة الرعايا المحددين بشكل خاص والأشخاص المحظورين (SDN)، في إطار حزمة عقوبات شملت أربعة أفراد وتسع شركات مرتبطة بشبكة مالية تقول الولايات المتحدة إنها تخدم المصالح الاقتصادية الإيرانية.
اتهامات بتوفير خدمات مالية لمنصة تداول العملات المشفرة
بحسب وزارة الخزانة الأمريكية، فإن شركة Zedpay، التي تقدم خدمات المحافظ الرقمية والتحويلات المالية الدولية، كانت جزءاً من البنية التشغيلية لمنصة Zedxion Exchange Limited المسجلة في المملكة المتحدة، والتي تتهمها واشنطن بالارتباط برجل الأعمال الإيراني بابك زنجاني.
وتقول السلطات الأمريكية إن هذا الارتباط أتاح لمستخدمي منصة العملات المشفرة استخدام المحافظ الإلكترونية الخاصة بـ Zedpay أثناء عمليات التداول، كما وفر للمنصة خدمات التسوية بالعملات التقليدية والتحويلات المالية العابرة للحدود، وهي خدمات لم تكن متاحة لها بصورة مباشرة.
وترى واشنطن أن هذا النموذج سمح بدمج البنية التقليدية للنظام المالي مع منصات العملات الرقمية، بما وفر قنوات إضافية لتحريك الأموال بعيداً عن القيود المفروضة على إيران.
الأساس القانوني للعقوبات
استندت وزارة الخزانة الأمريكية في فرض العقوبات إلى الأمر التنفيذي رقم 13902، معتبرة أن شركة Zedpay مملوكة أو خاضعة لسيطرة منصة Zedxion أو تعمل لحسابها، فيما فرضت العقوبات على مهدي رضازاده باعتباره تصرف نيابة عن الشركة وساهم في إدارة أنشطتها.
وبموجب هذه الإجراءات، تُجمَّد جميع الأصول والمصالح المالية العائدة للشركة أو لرئيسها داخل الولايات المتحدة أو الخاضعة لسيطرة أشخاص أمريكيين، كما يُحظر على المواطنين والشركات الأمريكية إجراء أي معاملات معهما ما لم تحصل على ترخيص خاص من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية.
وتشمل القيود أيضاً المؤسسات المالية الأجنبية، التي قد تتعرض بدورها لعقوبات ثانوية إذا شاركت في معاملات معينة مع الكيانات أو الأشخاص المدرجين على قائمة العقوبات.
شركة مقرها إسطنبول منذ عام 2022
تشير السجلات الرسمية الأمريكية إلى أن شركة Zedpay تأسست في 24 مايو/أيار 2022، وتم تسجيلها كشركة تعمل في مجال برمجة الحاسوب، بينما يقع مقرها في Tekstilkent Plaza بمنطقة أسنلر في مدينة إسطنبول.
ورغم تسجيلها كشركة تقنية، تؤكد وزارة الخزانة الأمريكية أنها مارست أنشطة تتجاوز تطوير البرمجيات لتشمل خدمات المحافظ الرقمية والتحويلات المالية الدولية، والتي أصبحت – بحسب الاتهامات الأمريكية – جزءاً من شبكة مالية أوسع تخدم منصات تداول العملات المشفرة المرتبطة بإيران.
شبكات العملات المشفرة في دائرة الاستهداف الأمريكي
لا تعد هذه الخطوة الأولى ضمن الحملة الأمريكية على هذه الشبكة.
ففي يناير الماضي فرضت واشنطن عقوبات على منصتي Zedxion Exchange Limited وZedcex Exchange Limited، وكلتاهما مسجلتان في المملكة المتحدة، إلى جانب رجل الأعمال الإيراني بابك زنجاني.
ووفقاً لوزارة الخزانة الأمريكية، فقد عالجت عناوين محافظ مرتبطة بالمنصتين أموالاً تعود إلى محافظ رقمية مرتبطة بـ الحرس الثوري الإيراني، بينما تجاوز إجمالي حجم المعاملات التي نفذتها منصة Zedcex منذ تسجيلها عام 2022 أكثر من 94 مليار دولار.
وترى الإدارة الأمريكية أن هذه المنصات أصبحت جزءاً من بنية مالية معقدة تستخدم العملات المشفرة كوسيلة لتجاوز القيود المفروضة على النظام المصرفي الإيراني.
بابك زنجاني.. من حكم الإعدام إلى العودة إلى المشهد المالي
يحتل رجل الأعمال الإيراني بابك زنجاني موقعاً محورياً في هذه القضية.
ففي عام 2016 أصدرت السلطات الإيرانية حكماً بإعدامه بعد إدانته باختلاس مليارات الدولارات من عائدات النفط الإيراني، إلا أن الحكم خُفف في عام 2024.
وبحسب الرواية الأمريكية، عاد زنجاني إلى النشاط الاقتصادي في عام 2025 كممول لمشروعات مرتبطة بالحكومة الإيرانية، بينما تتهمه وزارة الخزانة باستخدام شبكة واسعة من الشركات العاملة في مجالات الخدمات المالية والعملات المشفرة وتجارة الذهب والنقل ومشروعات البنية التحتية لإخفاء الملكية الحقيقية للأصول، وغسل الأموال، وتحويل الأموال لصالح الحكومة الإيرانية بعيداً عن منظومة العقوبات الغربية.
البعد التركي للقضية يعود إلى تحقيقات ديسمبر 2013
تعيد العقوبات الأمريكية أيضاً تسليط الضوء على واحدة من أشهر قضايا الفساد والعقوبات في تاريخ تركيا الحديث، وهي التحقيقات التي عُرفت بعملية 17 ديسمبر/كانون الأول 2013.
ووفقاً لما تضمنته الوثائق الأمريكية، كان المحققون الأتراك يعتزمون توقيف بابك زنجاني خلال لقاء كان مقرراً مع تاجر الذهب الإيراني التركي رضا ضراب في مدينة أنطاليا، إلا أن الاجتماع أُلغي بعد أن أدرك الرجلان – بحسب رواية المحققين – أنهما كانا تحت المراقبة.
وقد رفض زنجاني هذه الرواية في حينها، نافياً أن يكون الراعي المالي أو الشريك التجاري لرضا ضراب.
شبكة رضا ضراب وتحويل عائدات النفط الإيراني
كانت تحقيقات عام 2013 قد أسفرت عن توقيف رضا ضراب، إلى جانب المدير العام لبنك خلق بنك سليمان أصلان، وأبناء ثلاثة وزراء أتراك هم وزير الداخلية معمر غولر، ووزير الاقتصاد ظافر تشاغلايان، ووزير البيئة أردوغان بيرقدار.
واتهم الادعاء آنذاك شبكة ضراب بدفع رشاوى لمسؤولين أتراك مقابل تسهيل نقل عائدات النفط والغاز الإيراني عبر تجارة الذهب، واستخدام معاملات غذائية وهمية للتحايل على العقوبات الدولية المفروضة على طهران.
وفي مرحلة لاحقة، أقر بابك زنجاني بشرائه 1.5 طن متري من الذهب الغاني جرى تمريره عبر إسطنبول، وفق ما أظهرته مراجعة أجرتها وكالة رويترز لملف الشرطة المؤلف من 299 صفحة.
إنهاء التحقيقات داخل تركيا
رفض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء آنذاك، اتهامات الفساد، واعتبر التحقيقات جزءاً من “مؤامرة” تستهدف حكومته.
وأعقب ذلك نقل وإقالة عدد من المدعين العامين وكبار ضباط الشرطة الذين قادوا التحقيقات، قبل أن تُسقط النيابة العامة التركية في ديسمبر 2014 جميع التهم المتعلقة بقضايا الفساد.
وفي يناير 2015 صوّت البرلمان التركي ضد إحالة الوزراء الأربعة السابقين إلى المحاكمة، منهياً الملف على المستوى الداخلي.
المحاكم الأمريكية تعيد فتح الملف
لم تتوقف القضية عند الحدود التركية، إذ ألقى مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) القبض على رضا ضراب في مدينة ميامي عام 2016.
واعترف ضراب بالذنب في عام 2017 في اتهامات تتعلق بانتهاك العقوبات الأمريكية والاحتيال المصرفي وغسل الأموال، قبل أن يتحول إلى شاهد رئيسي في القضية.
وخلال شهادته، قال إنه قدم رشاوى إلى المدير العام السابق لـ خلق بنك سليمان أصلان، وإلى وزير الاقتصاد التركي السابق ظافر تشاغلايان، كما زعم أن الرئيس رجب طيب أردوغان منح موافقته الشخصية لإشراك كل من بنك زراعات ووقف بنك في آلية الالتفاف على العقوبات.
وقد نفت المؤسستان المصرفيتان هذه الاتهامات، بينما أكد أردوغان آنذاك أن المحاكم الأمريكية ليست صاحبة ولاية لمحاكمة الدولة التركية.
تداعيات قضائية امتدت لسنوات
أدت شهادة رضا ضراب إلى إدانة نائب المدير العام السابق لـ خلق بنك محمد هاكان أتيلا في الولايات المتحدة عام 2018، كما وُجهت في عام 2019 اتهامات جنائية إلى خلق بنك نفسه على خلفية ما وصفته السلطات الأمريكية بعملية تجاوزت قيمتها 20 مليار دولار للالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران.
وفي تطور حديث، أُسقطت الاتهامات الموجهة إلى البنك خلال يونيو الماضي بموجب اتفاق تأجيل للملاحقة القضائية تم التوصل إليه في مارس، نص على إخضاع البنك لرقابة مستقلة للتأكد من التزامه بقوانين العقوبات الأمريكية، دون فرض أي غرامة مالية.
كما أصدرت محكمة فيدرالية أمريكية خلال يوليو حكماً بحق رضا ضراب يقضي باحتساب مدة احتجازه السابقة، بعد أن أمضى 22 شهراً رهن الاحتجاز.

