تشهد الساحة السياسية والإعلامية في تركيا في الآونة الأخيرة موجة متسارعة من الملاحقات القضائية والتحقيقات الأمنية التي استهدفت أسماء بارزة كانت تُحسب تاريخياً على معسكر السلطة. وفي خضم هذه التطورات، يُقدّم المحلل السياسي التركي جوهري جوفين، في آخر تحليل له على موقع يوتيوب، قراءة تفصيلية ومختلفة لأبعاد هذه التحركات، معتبراً إياها جزءاً من إستراتيجية تهدف إلى إعادة تدوير النفوذ وتشتيت الانتباه عن قضايا فساد بنيوية وملفات قضائية حساسة.
إستراتيجية “تشتيت الجنود”: إلهاء الرأي العام بـ”الدمى المستهلكة“
يفسر جوهري جوفين الزخم القضائي الأخير، الذي طال شخصيات مثل رئيس بلدية أنقرة الأسبق مليح غوكشيك والإعلاميين راسيم أوزان كوتاهيلي وجم كوتشوك وطاهر ساريكايا، بأنه تطبيق لإستراتيجية أمنية تقوم على “إبقاء الرأي العام منشغلاً لمنع التركيز على قضايا الفساد الكبرى”. ويرى جوفين أن الغرض الأساسي من هذه العمليات، التي تجاوزت المئتين في غضون شهرين، هو إبعاد الأنظار عن ملفات أكثر خطورة تمس ركائز النظام القضائي والسياسي الحالي.
ويضرب جوفين مثالاً بملف العقارات الفاخرة والشركات في لوكسمبورغ التابعة للمسؤول القضائي البارز ووزير العدل أكين غورليك، والتي كشف عنها أوزغور أوزيل، عندما كان رئيسا لحزب الشعب الجمهوري المعارض. ووفقاً للتحليل، فإن إثارة قضايا العقارات الخاصة بمليح غوكشيك في ألمانيا كانت خطوة مدروسة لإغراق الفضاء الإعلامي بقضية تثير اهتمام المعارضة، وبالتالي التغطية التامة على وثائق وعقارات غورليك التي طواها النسيان تدريجياً. ويصف جوفين هذه الأسماء بـ”الدمى القابلة للاستبعاد”، حيث تُضحّي السلطة بها لكسب مظهر مصلح ومحايد يرضي الشارع المعارض ويبقيه منشغلاً عن القضايا الأكثر عمقاً مثل الأزمة الاقتصادية والمحاكمات السياسية كقضية رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو.
تحالفات أردوغان المتغيرة: الدخول في “المرحلة الثالثة“
يُحلل جوهري جوفين تطور تحالفات الرئيس رجب طيب أردوغان منذ وصوله إلى السلطة عبر ثلاثة مسارات زمنية متعاقبة:
- المرحلة التحالفية الأولى: امتدت من عام 2003 حتى عام 2010، وضمت الليبراليين والديمقراطيين والأكراد وحركة كولن، بدعم من مسار الإصلاحات الخاصة بالاتحاد الأوروبي.
- المرحلة التحالفية الثانية: امتدت بين عامي 2011 و2023، واتسمت بتحالف مغلق جمع أردوغان مع القومي العلماني دوغو برينجك والقومي اليميني دولت بهجلي، مع وجود كمال كليتشدار أوغلو كشريك غير مباشر صامت في المنظومة.
- المرحلة التحالفية الثالثة والراهنة: بدأت عقب انتخابات عام 2023، ويشير جوفين إلى أنها تشهد انضمام كليتشدار أوغلو كشريك نشط، بموازاة دور غير مباشر للحزب الكردي، مع الاعتماد المتزايد على قنوات إعلامية معارضة، وصنّاع المحتوى المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي، ومجموعة صحيفة “سوزجو”. ويرى المحلل التركي أن الهدف الإستراتيجي لهذه المرحلة هو تقويض صعود أكرم إمام أوغلو وحصار حركته السياسية.
ملف “البتروكوك”: الفساد العابر للقارات وتكلفته الإنسانية في أنقرة
في سياق الكشف عن ملفات الفساد الكبرى، يشير جوهري جوفين إلى أن القضايا المثارة حالياً حول عقارات غوكشيك الفردية لا تمثل سوى جزء ضئيل جداً مقارنة بـ”صفقة البتروكوك” التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات وتسببت في كارثة صحية حقيقية.
وتعود تفاصيل الملف، بحسب تقديرات جوفين، إلى تعاون وثيق جمع غوكشيك برجل الأعمال رجب أتاكاش، أحد كبار أقطاب الحديد والفحم. وقد تركزت الصفقة على استيراد مادة “البتروكوك” (فحم الكوك النفطي)، وهي نفاية نفطية شديدة السمية ومسرطنة يحظر استخدامها كلياً في التدفئة المنزلية لخطورتها البالغة على الرئتين وصحة الإنسان.
ويردف جوفين بأن أتاكاش تمكن من جلب هذه النفايات مجاناً من ميناء بالتيمور بالولايات المتحدة، بل إن الشركات الأمريكية تكلفت مصاريف الشحن للتخلص من هذه الأعباء البيئية. وفي تركيا، جرى خلط هذه النفاية بمخلفات بنجر السكر (الميلاس) وغبار الفحم الحقيقي لضغطها وتحويلها إلى قوالب فحم جرى تسويقها تحت اسم “يشيلكور” (الجمار الأخضر) دلالةً على ملاءمتها للبيئة على سبيل التضليل.
وبدلاً من تقديم دعم مالي شفاف للأسر الفقيرة عبر بطاقات الغاز الطبيعي، قامت بلدية أنقرة بقيادة غوكشيك بشراء هذه القوالب السامة بأسعار الفحم الطبيعي وتوزيعها كمعونات لتأمين أصوات الناخبين. وأسفر هذا الإجراء عن تكوين أسطول نقل ضخم قوامه ألف شاحنة لنقل النفايات من الموانئ إلى المناطق الداخلية وإقليم بحر إيجة.
ويربط جوهري جوفين بين هذه الممارسة وتصدر تركيا المرتبة الثالثة عالمياً في معدلات الإصابة بسرطان الرئة، مع تسجيل أنقرة وإقليم إيجة معدلات تفوق ضعف المعدل الوطني التركي. ومن المفارقات التي أوردها التحليل أن رجب أتاكاش نفسه يعاني حالياً من سرطان الرئة جراء تعامله مع هذه المواد. علاوة على ذلك، يمتد ملف أتاكاش ليشمل صفقات عقارية في مناطق الموانئ بهاتاي بيعت لاحقاً لأوليغارش روسي بقيمة 500 مليون دولار كواجهة تجارية لمصنع الصلب “إم إم كيه” المرتبط بالكرملين.
صراع الجذور التاريخية بين أردوغان وغوكشيك
يوضح جوهري جوفين أن العلاقة بين أردوغان وغوكشيك كانت دائماً محكومة ببراغماتية حذرة وتصفية حسابات مؤجلة. فعند تأسيس حزب العدالة والتنمية، فضّل غوكشيك الانضمام إلى الحزب الديمقراطي معتقداً أن المؤسسة العسكرية ستقضي على تجربة حزب العدالة والتنمية. وعقب الفوز الساحق للحزب في انتخابات 2002 بنسبة 35%، سارع غوكشيك للانضمام إلى المعسكر الفائز، حيث تركه أردوغان ينتظر عند الباب لمدة 45 دقيقة ليلة الانتخابات قبل استقباله. ورغم معارضة قادة كبار مثل عبد الله غول وبولنت أرينج وعبد اللطيف شينير لضمه، قرر أردوغان الاستفادة من العوائد المالية الضخمة لبلدية أنقرة التي يديرها غوكشيك. ويرى جوفين أن إرغام أردوغان لغوكشيك على الاستقالة في ٢٠١٧ قبل انتهاء ولايته البلدية وتسهيل الملاحقات الحالية ضده هو استكمال لعملية الاستبعاد السياسي الطويلة.
نبش قبر “أحمد دنيز أولغون”: توظيف جماعة السليمانيين سياسياً
يتطرق جوهري جوفين إلى قضية أخرى أثارت جدلاً واسعاً، وهي فتح قبر الزعيم الراحل لجماعة السليمانيين، عارف أحمد دنيز أولغون، الذي توفي عام 2017. وجاءت هذه الخطوة بناءً على تقرير “خبير استشاري” بطلب من النائب السابق عن حزب العدالة والتنمية فاتح دنيز أولغون، وليس تقريراً رسمياً صادراً عن معهد الطب الشرعي.
وقد روّجت منصات إعلامية معارضة، وفي مقدمتها الإعلامية نيفشين مينغو، لفرضية تعرض دنيز أولغون للاغتيال من قبل خليفته الحالي علي خان كوريش، بداعي أن الراحل كان يتبنى موقفاً موالياً للحكومة عقب محاولة الانقلاب في 15 تموز/يوليو.
غير أن جوفين يفند هذه الرواية مستنداً إلى معطيات ملموسة؛ فالراحل رفض الانخراط في تأسيس حزب العدالة والتنمية، وترشح ضد مرشحي الحزب في دورتي 2002 و2007 عبر حزبي “الوطن الأم” والديمقراطي. كما أصدر قراراً بمنع شقيقه محمد دنيز أولغون، الموالي لأردوغان، من دخول مؤسسات الجماعة. وعقب أحداث 15 تموز 2016، وصف دنيز أولغون ما جرى بأنه “مسرحية”، وامتنع عن حضور أي تجمعات جماهيرية داعمة للسلطة في ذلك العام على عكس الجماعات والأحزاب الأخرى.
ويستدل جوفين على تهافت الفرضية الجنائية باعتراف البروفيسور دكتور نوزاد ألكان، الذي أعد التقرير الاستشاري، في مقابلات تليفزيونية لاحقة بأنه لم يطّلع على تقرير التشريح الأصلي واعتمد فقط على صور فوتوغرافية، مرجحاً عدم التوصل إلى أي نتائج ملموسة من فحص العظام والتربة.
“المعاضدة بالخوف”: الإعلام وصناعة الاصطفاف الجديد
في قراءته لدور المنابر الإعلامية المحسوبة على المعارضة، مثل قنوات “سوزجو تي في” والإعلاميين إسماعيل كوتشوك كايا وجنيت أوزدمير، يرى جوهري جوفين أن هناك تراجعاً واضحاً في معايير العمل الصحفي تحت وطأة الخوف من الملاحقة أو الإقصاء الوظيفي. ويشير جوفين إلى أن ترويج تلك المنصات لرواية السلطة بشأن اغتيال زعيم السليمانيين يسهم، عن قصد أو غير قصد، في تعزيز مخاوف الشارع المحافظ والملتزم دينياً من بديل سياسي قد يستهدف حرياتهم أو يوجه إليهم اتهامات جنائية كاسحة لاحقا. ويؤدي هذا في النهاية، وفقاً لجوفين، إلى إعادة تثبيت الفئات المحافظة خلف الحزب الحاكم باعتباره الخيار الحامي لوجودهم.

