شهدت الساحة السياسية في “جمهورية شمال قبرص التركية” تطورات متسارعة، إثر إعلان حزب “الولادة الجديدة” (YDP) انسحابه من الحكومة الائتلافية.
وجاءت هذه الخطوة عقب قرار رئيس الوزراء، أونال أوستل، إقالة وزير النقل وزعيم الحزب، أرهان أريكلي، على خلفية حادثة غرق عبّارة ركاب مأساوية قبالة السواحل أسفرت عن سقوط ضحايا ومفقودين.
تصدع حكومي وموعد مبكر لصناديق الاقتراع
أدى انسحاب حزب “الولادة الجديدة” – الممثل بـعضويْن في البرلمان – إلى فقدان الحكومة لغالبيتها النيابية. ومع هذا الانسحاب، تراجع الدعم البرلماني لحكومة أوستل – التي كانت تضم أيضاً حزب الوحدة الوطنية (UBP) والحزب الديمقراطي (DP) – إلى خمسة وعشرين مقعداً فقط من أصل خمسين في البرلمان. وكان الائتلاف قد استهل مسيرته النيابية بـتسعة وعشرين مقعداً في عام ألفين واثنين وعشرين، قبل أن تؤدي استقالات سابقة إلى تقليص العدد إلى سبعة وعشرين مقعداً قبيل الأزمة الأخيرة. وفي ظل هذا الانسداد السياسي، تقرر الذهاب إلى انتخابات تشريعية مبكرة حدد موعدها في السادس من ديسمبر المقبل.
من جانبه، صرح الوزير المقال، إرهان أريكلي، لهيئة الإذاعة والتلفزيون العامة، بأن حزبه كان يستعد لخطوة المغادرة منذ نحو عامين، معتبراً أن الخروج من الحكومة سيتيح للحزب فرصة الاستعداد بحرية أكبر للاستحقاق الانتخابي المقبل. وكان أريكلي قد اقترح سابقاً نقل تبعية إدارة الموانئ إلى مكتب رئيس الوزراء مؤقتاً حتى انتهاء التحقيقات، مبدياً استعداده الكامل للمثول أمام الادعاء العام وطلب رفع حصانته البرلمانية إذا تطلب الأمر.
فاجعة العبارة “فيلو جيت”: تفاصيل المأساة البحرية
تتأصل الأزمة السياسية في حادثة غرق العبارة السريعة من طراز “كاتاماران”، التي دخلت الخدمة في الأصل عام ألفين وواحد تحت اسم “إيريس جيت” وصُنعت في فرنسا، قبل أن يُعاد تسميتها بـ “فيلو جيت” عام ٢٠٢٤. وكانت العبارة قد انقلبت في الثلاثين من أغسطس عقب مغادرتها بوقت قصير ميناء كيرينيا (المعروف بـ “جيرني” بالتركية) متجهة نحو ميناء تاشوجو على الساحل الجنوبي لتركيا، وعلى متنها مئتان وتسعة وخمسون راكباً وثمانية أفراد من طاقم الإبحار.
وقد أسفر الحادث عن وفاة تسعة أشخاص على الأقل، في حين لا يزال تسعة عشر آخرون في عداد المفقودين. ومؤخراً، تمكنت فرق البحث من انتشال جثمان جرى التعرف على هويته وتعود للمواطن إسماعيل كورت، وفق ما أورده موقع “هابر كبريس” الإخباري. وتواصل السفينتان الحربيتان التركيتان “تي سي جي إيشين” و”تي سي جي علمدار” عمليات البحث والإنقاذ باستخدام روبوتات غوص متطورة لمسح حطام السفينة القابع على عمق خمسمئة وخمسين متراً تحت سطح البحر، في وقت لم تؤكد فيه السلطات استعادة جهاز تسجيل بيانات الرحلة (الصندوق الأسود) حتى صباح الخميس.
تحقيقات قضائية: رخص مشبوهة وتجاهل للتحذيرات
على الصعيد الجنائي، أمرت محكمة في كيرينيا بالاحتفاظ بقائديْ العبارة وسبعة موقوفين آخرين رهن الحجز لثمانية أيام إضافية، للاشتباه بوقوع إهمال يؤدي إلى القتل. وأشارت الشرطة إلى أنها دونت أكثر من مئتي شهادة وتعتزم استجواب مئة شخص آخرين.
وقد تكشفت تفاصيل حرجة خلال جلسات الاستماع؛ حيث أدلى القبطان الثاني بشهادته مؤكداً أنه حذر ربان العبارة مسبقاً من مغبة الإبحار نظراً لرداءة الأحوال الجوية. ووفقاً لإفادات القبطان وطاقمه، فإن الأمواج العاتية تسببت في تحطيم مقدمة السفينة وتدفق المياه بداخلها في أثناء محاولة الالتفاف للعودة إلى الميناء.
ومن المفارقات التي أثارتها التحقيقات، عودة قبطان العبارة إلى مزاولة المهنة بعد انقطاع دام عشر سنوات، وحصوله على رخصة قيادة هندوراسية لقاء مبلغ ثلاثة آلاف وخمسمائة دولار. ورغم أن دائرة الموانئ أوضحت أن الرخصة صالحة حتى أكتوبر ألفين وتسعة وعشرين لقيادة السفن التي لا تتجاوز حمولتها ثلاثة آلاف طن، فإن الشرطة تواصل فحص مدى قانونيتها وصحتها.
غياب الرقابة وإرث من الإهمال الفني
وفقاً للخبير البحري أولوس غوكر، فإن المراجعة الأولية التي أجريت بالتنسيق مع الشرطة كشفت عن إخفاق الربان في خفض سرعة السفينة، والتقاعس عن إطلاق نداء استغاثة فوري أو توجيه الركاب بالإخلاء، بل ومغادرته للعبارة قبل إتمام إخلائها.
كما كشف غوكر عن ثغرة تنظيمية خطيرة تمثلت في توقف الهيئة التفتيشية المسؤولة عن السفن الحاملة لعلم “قبرص الشمالية” عن العمل منذ فترة تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات، جراء عدم استبدال أعضائها المتقاعدين بأعضاء جدد. وأوضح المحققون أنهم لم يتسلموا بعد وثائق التأمين الخاصة بحماية الركاب والعبارة، كما يجري فحص مقطع فيديو مسجل لرحلة سابقة في الحادي والعشرين من مايو، يُظهر تسرباً للمياه إلى متن العبارة.
ويأتي هذا الإهمال امتداداً لعيوب سابقة؛ حيث أشار حكم صادر عن محكمة تجارية في إسطنبول عام ألفين وأربعة وعشرين إلى رصد السلطات البحرية التركية لتسعة وعشرين عيباً ومخالفة خلال عمليات تفتيش أجريت عام ألفين وثمانية عشر، وإن كانت هذه السجلات القديمة لا تثبت بالضرورة الحالة الفنية للسفينة لحظة وقوع الحادث الفاجع.
من جهته، دافع الوزير المقال إرهان أريكلي عن إجراءات السلامة، نافياً إبحار السفينة دون فحص، ومبيناً أن السلطات التركية عاينتها قبل نحو شهرين ونصف من غرقها وحصلت على الشهادات اللازمة وتصنيف الصلاحية، وإن كان التقرير الفني الأخير لم يُنشر رسمياً للجمهورية حتى الآن.
وكإجراء فوري، أعلنت الحكومة تعليق كافة رحلات شركة “فيلو دينيزيليك” من الموانئ المحلية حتى إشعار آخر، بموازاة بدء فريق تقني من وزارة النقل والبنية التحتية التركية مراجعة فنية شاملة للوقوف على مسببات الكارثة.
جذور تاريخية وجيوسياسية للجزيرة
تأتي هذه الأزمة الخدمية والسياسية في عمق المشهد الجغرافي والسياسي المعقد لجزيرة قبرص المقسمة منذ عام ألفين وتسعمائة وأربعة وسبعين، عقب تدخل عسكري تركي تلا انقلاباً مدعوماً من الحكومة اليونانية في أثينا كان يهدف إلى ضم الجزيرة إلى اليونان، وهو التدخل الذي أفضى إلى سيطرة تركيا على الثلث الشمالي من الجزيرة.
وفي عام ألفين وتسعمائة وثلاثة وثمانين، أُعلن عن قيام “جمهورية شمال قبرص التركية” التي تنفرد تركيا بالاعتراف بسيادتها رسمياً. في حين تسيطر “جمهورية قبرص” المعترف بها دولياً على الشطر الجنوبي من الجزيرة، وهي الدولة التي حازت على عضوية الاتحاد الأوروبي منذ عام ألفين وأربعة.

