يواجه رئيس بلدية أنقرة الكبرى السابق، المنتمي لحزب العدالة والتنمية الحاكم، مليح غوكشيك، ملاحقة قضائية جديدة بعد أن استدعته النيابة العامة التركية بصفة “مشتبه به” للتحقيق معه في ملفات مالية عابرة للحدود.
اتهامات عابرة للحدود وتحركات قضائية متسارعة
فتح الادعاء العام في العاصمة التركية، أنقرة، تحقيقاً رسمياً في التاسع والعشرين من أغسطس/آب مع غوكشيك، الذي أُجبر، من قبل أردوغان، على الاستقالة من منصبه كعمدة للعاصمة عام 2017. وتتركز الاتهامات الموجهة إليه حول تأسيسه “شركات في ألمانيا“ والقيام بـ “تحويلات مالية غير مسجلة إلى الخارج“.
وفي إطار هذا الملف القضائي المتفاعل، حددت السلطات اليوم الجمعة، موعداً للمثول الرسمي لغوكشيك أمام القضاء في قصر العدل بأنقرة للإدلاء بإفادته. ولم تقتصر التحركات القضائية على غوكشيك وحده، بل شملت الاستماع إلى شهادة الصحفي الاستقصائي مراد أغيريل بصفته “شاهداً” في هذه القضية، مما يضفي بعداً توثيقياً على مسار التحقيقات.
“تحقيق سيء النية”: قراءة المعارضة في خلفيات الاستدعاء
أثارت هذه التطورات ردود فعل سياسية متباينة في تركيا؛ حيث شككت قوى المعارضة في الأهداف الكامنة وراء تحريك هذا الملف في هذا التوقيت بالذات. وفي هذا الصدد، وصف رئيس الحزب الجديد أوزغور أوزيل، الخطوة بأنها “تحقيق سيء النية“ في جوهره.
وفي مقابلة صحفية مع صحيفة “بيرغون” التركية، أشار أوزيل إلى أن السلطة تسعى عبر هذا الاستدعاء إلى خلق انطباع عام زائف مفاده أن المحاسبة القضائية لا تستهدف المعارضة فحسب، بل تطال أيضاً رموز الحزب الحاكم والمقربين منه. وأوضح أوزيل أن غوكشيك يعد من أكثر المسؤولين المحليين السابقين إثارة للشبهات والجدل في تاريخ الإدارة المحلية التركية، مؤكداً على ضرورة خضوعه لمحاكمة حقيقية وحاسمة.
واستحضر أوزيل عبارته الشهيرة السابقة: “لا يمكن محاكمة أحد في تركيا ما لم يُحاكم غوكشيك أولاً“، لافتاً إلى أن السلطة قد تستخدم هذا الإجراء القضائي مستقبلاً للتحجج قائلة: “انظروا، ها نحن نحاكم غوكشيك أيضاً”. وأضاف أن المقياس الحقيقي لجدية القضية يكمن في دقة الملاحقة القضائية وصدقها، وتقديم حساب كامل عن فترته.
مخاوف من “حصانة التفافية” وعاصفة في الأفق
تتجاوز مخاوف المعارضة مسألة “توجيه الرأي العام” إلى إمكانية استغلال هذا الملف لتأمين مخرج قانوني دائم لغوكشيك. وحذر أوزيل من أن التحقيق الحالي قد يُتخذ كذريعة قانونية لـ “تطهير“ ساحة رئيس البلدية السابق وتجنيبه المحاسبة في ملفات أضخم مستقبلاً. وبموجب هذا الطرح، يمكن للدفاع عن غوكشيك الدفع مستقبلاً بـ “سابقة الفصل في القضية” وإسقاط أي تهم كبرى قد تثار لاحقاً تحت حجة أنه قد حُقّق معه وحُوكم بالفعل في هذه الوقائع.
وفي المقابل، لم تخلُ قراءة المعسكر القريب من الحزب الحاكم من استشعار القلق؛ حيث علّق البرلماني السابق والمحلل السياسي شامل طيار على قرار الاستدعاء محذراً من أن الأفق السياسي التركي يبدو مهيأً لهبوب “عاصفة كاملة“. وتشي هذه القراءة بوجود تصدعات وتجاذبات داخلية قد تعيد صياغة موازين القوى السياسية.
تفكيك الاستراتيجية القضائية والسياسية
يمثل استدعاء شخصية بحجم مليح غوكشيك للتحقيق اختباراً حقيقياً لمدى استقلالية المنظومة القضائية التركية وقدرتها على إجراء محاسبة عابرة للمصالح الحزبية. فالقضية تتأرجح بوضوح بين مسارين:
- مسار العدالة الناجزة والشفافة التي تقتضي تفكيك شبكات الأموال العابرة للحدود ومحاسبة المسؤولين عن تبديد المال العام بصدق وجدية.
- مسار المناورة السياسية الذي يرمي إلى امتصاص الضغط العام، وتحصين الشخصيات النافذة من ملاحقات أكثر عمقاً في المستقبل عبر تحقيقات شكلية ومحدودة الأثر.
ومع اقتراب موعد جلسة الاستماع المقررة، تترقب الأوساط السياسية والشعبية في تركيا ما ستؤول إليه نتائج هذا التحقيق، وما إذا كان القضاء سيمضي في مسار كشف الحقائق كاملة، أم أن القضية ستنتهي إلى إغلاق الملف وتحقيق هدف الانطباع السياسي المؤقت.

