أثار اللقاء المغلق الذي جمع رئيس بلديّة أنقرة، منصور يافاش، بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان في القصر الرئاسي بمجمع “بيشتبه”، موجة حادة من الانتقادات في الأوساط السياسية وعلى منصات التواصل الاجتماعي.
يأتي هذا الاجتماع في توقيت سياسي بالغ الحساسية؛ حيث تقبع عشرات الشخصيات ورؤساء البلديات المعارضون خلف الأسوار، بينما يواصل حزب العدالة والتنمية الحاكم تعزيز سيطرته على بلديات انتزعتها المعارضة في الانتخابات المحلية لعام 2024.
كواليس اللقاء ومواقف الأطراف: بين متطلبات الإدارة وتبريرات الخدمة
أُعلن عن اللقاء المغلق عبر الرئاسة التركية ومنصور يافاش، الذي نشر صورة تجمع الجانبين عبر حسابه الرسمي على منصة “إكس”. وأوضح يافاش في بيانه الأولي أنه قدم للرئيس أردوغان عرضاً شاملاً للمشاريع التنموية في العاصمة أنقرة، وفي مقدمتها استثمارات البنية التحتية لشبكة المترو، إلى جانب المشاريع الجارية والمستقبلية. كما أعرب رئيس بلدية أنقرة عن شكره لأردوغان لقاء دعمه لمشاريع العاصمة ودوره في استضافة قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” التي عُقدت في أنقرة خلال شهر تموز/يوليو الماضي.
شهدت التغريدة تفاعلاً واسعاً، إذ حصدت نحو أربعة ملايين مشاهدة وأكثر من ألفي رد بعد ظهر يوم الخميس. وركزت غالبية الردود الأكثر انتشاراً على انتقاد يافاش لنشره الصورة وتقديم الشكر لأردوغان، في وقت يقبع فيه العديد من القادة والمسؤولين المحليين المعارضين في السجون. ووجّه أحد المستخدمين اتهاماً مباشراً للرئيس أردوغان بسجن حلفاء يافاش السياسيين والسعي لعرقلة جهوده في خدمة سكان العاصمة. في حين تساءل مستخدم آخر عن أسباب استبعاد يافاش لمسألة القيود المفروضة على رئيس بلدية إسطنبول السجين أكرم إمام أوغلو خلال حديثه مع أردوغان.
ورداً على التكهنات الشائعة بشأن احتمالية مغادرته لحزب الشعب الجمهوري أو تقربه من حزب العدالة والتنمية الحاكم، أصدر يافاش بياناً تفصيلياً نفى فيه تلك الأنباء جملة وتفصيلاً. وأكد يافاش أنه هو من بادر بطلب تحديد موعد اللقاء شخصياً بعد استقباله للرئيس أردوغان في المطار. وشدد على أن الاجتماع تمحور حصراً حول قضايا ومصالح مدينة أنقرة، مشيراً إلى مناقشة مشاريع المترو وتسهيل إجراءات القروض والموافقات الحكومية، إلى جانب مشروع إنشاء مركز للمعارض والمؤتمرات. وأوضح يافاش أن طبيعة النظام الرئاسي التركي تفرض على البلديات الحصول على موافقات ودعم السلطة المركزية لتنفيذ بعض المشروعات، مؤكداً استعداده للقاء رئيس الجمهورية في أي وقت لحل المشكلات التي تواجه العاصمة. ونفى يافاش تلقيه أي دعوة للانضمام إلى الحزب الحاكم، مؤكداً عدم التطرق لأي ملفات سياسية خلال الاجتماع. كما كشف أنه أطلع كلاً من كمال كليتشدار أوغلو وأوزغور أوزيل على قرار اللقاء مسبقاً. وهو ما أكده أوزيل مشيراً إلى أن يافاش أبلغه قبل طلب الموعد وقبل انعقاده، معرباً عن ثقته الكاملة فيه ومؤكداً معرفة “الحزب الجديد” وموافقته على الخطوة.
تصدع المعارضة والتوازنات الداخلية في مجلس العاصمة
اكتسب توقيت اللقاء بعداً إضافياً، إذ استقبل أردوغان يافاش في اليوم الذي وافق الذكرى الـ 103 لتأسيس حزب الشعب الجمهوري، الذي لا يزال يافاش يحتفظ بعضويته فيه، غير أنه غاب عن حفل الاستقبال الرسمي للمناسبة. وأفادت مصادر بلدية قبيل اللقاء بأن يافاش يسعى للحفاظ على موقعه المحايد والنأي بنفسه عن الاصطفافات السياسية وسط معارضة تركية مجزأة.
وتعود جذور الانقسام داخل المعارضة إلى قرار قضائي صدر عن محكمة في أنقرة في أيار/مايو الماضي بإلغاء انتخاب أوزغور أوزيل رئيساً لحزب الشعب الجمهوري في عام 2023 وإعادة رئيسه السابق كمال كليتشدار أوغلو. وعلى إثر ذلك، غادر أوزيل رفقة 90 نائباً الحزب في تموز/يوليو ليؤسسوا “الحزب الجديد”، الذي بات أكبر كتل المعارضة في البرلمان. ورغم هذا الانشقاق، فضّل يافاش البقاء في حزب الشعب الجمهوري، ساعياً إلى ضمان استمرار التعاون بين أعضاء الحزبين داخل مجلس بلدية أنقرة. وأبدى يافاش استعداده لاتخاذ “ما يلزم” إذا رأت قيادتا الحزبين في موقفه مشكلة، مؤكداً أن أحداً من القادة لم يعترض على نهجه.
وفي نطاق ردود الفعل السياسية، دافع رئيس “حزب النصر” اليميني المتطرف، أوميت أوزداغ، عن اللقاء، معتبراً التواصل بين رئيس البلدية ورئيس الدولة إجراءً روتينياً طبيعياً، ومؤكداً أن المناخ السياسي المحتقن هو السبب في ثورة هذا الجدل. من جهته، دعا النائب السابق عن حزب العدالة والتنمية، شامل طيار، إلى التريث في بناء سيناريوهات سياسية متسرعة، واصفاً الاجتماع بأنه يمثل “بداية” لمرحلة جديدة.
حملة قضائية واسعة وسيطرة على البلديات المنتخبة
يأتي هذا الجدل في وقت يواجه فيه مسؤولو المعارضة حملات تضييق قضائية وسياسية مكثفة. فقبل يوم واحد من لقاء القصر الرئاسي، تمكن حزب العدالة والتنمية الحاكم من التصويت لصالح استعادة السيطرة على بلدية “أوسكودار” في إسطنبول إثر اعتقال رئيسة البلدية المنتخبة سينيم ديديتاس وتعليق مهامها بتهم فساد. وكانت البلدية قد انتخبت عضواً من حزب الشعب الجمهوري رئيساً بالنيابة، غير أن قرار المحكمة أوقف الإجراء بناءً على طعن من الحزب الحاكم. وشهدت الفترة اللاحقة انضمام أربعة أعضاء من المعارضة إلى حزب العدالة والتنمية، إلى جانب سجن عضوين آخرين قبل إعادة التصويت الذي حسمه مرشح الحزب الحاكم بفارق 23 صوتاً مقابل 19.
وعلى الصعيد الدولي، وصف مقرر البرلمان الأوروبي الخاص بتركيا، ناتشو سانشيز أمور، ما جرى في أوسكودار بأنه “استحواذ صارخ على السلطة”، مشيراً إلى أن عمليات الاعتقال والانشقاقات والتهديدات ألغت المكاسب الانتخابية للمعارضة. وتزامناً مع ذلك، أظهرت إحصائية نشرتها شبكة “دويتشه فيله” في تموز/يوليو الماضي أن 39 بلدية تابعة لحزب الشعب الجمهوري واجهت تحقيقات بالفساد أو الرشوة منذ انتخابات 2024، حيث جرى احتجاز رؤساء 31 بلدية، ولا يزال 26 منهم قيد الاعتقال.
كما يستمر احتجاز رئيس بلدية إسطنبول ومنافس أردوغان الرئيسي، أكرم إمام أوغلو، قيد المحاكمة منذ آذار/مارس 2025 بتهم فساد ينفيها، وسط اتهامات من المعارضة والمنظمات الحقوقية بدوافع سياسية تهدف لإلغاء نتائج الانتخابات المحلية. وفي سياق الملاحقات القضائية ذاته، قضت محكمة تركية بغرامة مالية قدرها 16500 دولار على زعيم المعارضة الرئيسي لصالح أردوغان بسبب تصريحاته.
أبعاد المستقبل وطموحات المنافسة الرئاسية
يُعد منصور يافاش، الذي يشغل منصب رئيس بلدية أنقرة منذ عام 2019، منافساً رئاسياً محتملاً للرئيس أردوغان في الاستحقاقات المقبلة. وتتزامن هذه التطورات مع إعلان حليف أردوغان من اليمين المتطرف دعمه لترشيحه لانتخابات 2028 الرئاسية رغم القيود الدستورية على فترات الحكم. وفي هذا الصدد، أصر يافاش على أن الهدف الأساسي لمواقفه يتلخص في خفض التوتر السياسي والحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة لخدمة الصالح العام.

