في تصريحات تكشف جانباً غير معلن من العلاقات بين أنقرة والإدارة الكردية في شمال شرقي سوريا، أفصحت القيادية السياسية الكردية إلهام أحمد، الرئيسة المشتركة للجنة التنفيذية لـ “مجلس سوريا الديمقراطية” والمسؤولة السابقة عن الملف الخارجي للإدارة، عن وجود قنوات تواصل أمنية مستمرة ورفيعة المستوى بين مسؤولين أكراد والأجهزة الاستخباراتية والأمنية التركية منذ عدة سنوات.
وتأتي هذه الكشوفات لترسم لوحة مغايرة للخطاب السياسي الرسمي المعلن في أنقرة، والذي يدرج القوات الكردية في سوريا ضمن قوائم التنظيمات الإرهابية.
قنوات أمنية ورغبة في حوار سياسي مباشر
أوضحت إلهام أحمد أن الاتصالات القائمة مع الجانب التركي تقتصر حتى الآن على المؤسسة الأمنية، مؤكدة غياب أي قنوات تواصل رسمية مع وزارة الخارجية التركية. ووصفت مستوى هذه الاتصالات الأمنية بأنه “رفيع إلى حد ما”، مشددة على تطلع القيادة الكردية للانتقال من التبادلات الأمنية غير المباشرة إلى حوار سياسي مباشر وعلني مع أنقرة.
وفي مقابلات صحفية أجراها الصحفيون بانو غوفين (عبر قناة İlke TV)، ونزاهات دوغان (من موقع “يني ياشام”)، وإرفان أكتان (من “سبوت برس”)، ونُشرت عبر منصة “سيربستيت”، أعربت أحمد عن تطلعها للقيام بزيارة رسمية إلى تركيا برفقة القائد السابق لـ “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) مظلوم عبدي. كما أكدت رغبتها في لقاء الزعيم المؤسس لـ “حزب العمال الكردستاني” المحتجز، عبد الله أوجلان، في سجنه بجزيرة إمرالي.
وطالبت القيادية الكردية السلطات التركية بشطب اسمها وأسماء قيادات كردية سورية أخرى من قوائم الإرهاب، موضحة أنها لم تشارك مطلقاً في أي عمل مسلح ضد الدولة التركية.
تركيا طرف مباشر.. ودور محوري لأوجلان في اتفاق دمشق
وفي تقييمها للدور الإقليمي لأنقرة، أكدت أحمد أن تركيا تُعد طرفاً مباشراً في القضية الكردية على جانبي الحدود السورية-التركية، مشيرة إلى أنها تمتلك “تأثيراً حاسماً” في صياغة مستقبل سوريا. وأشادت بالدور الذي لعبته أنقرة في إطلاق المحادثات بين “قسد” والحكومة السورية، وفي التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وتجنيب المنطقة خيار المواجهة العسكرية.
كما كشفت أحمد عن أبعاد دور عبد الله أوجلان، موضحة أن تأثيره تجاوز مسار السلام الداخلي في تركيا ليمتد إلى التطورات في شمالي سوريا. وذكرت أن أوجلان تدخل بشكل مباشر لمنع هجوم كان وشيكاً على القوات الكردية في محيط مدينة منبج بشمال سوريا، وذلك قبل التوصل إلى اتفاق العاشر من مارس/آذار بين “قسد” ودمشق.
وأشارت الرسائل التي تلقتها القيادة الكردية السورية إلى أن أوجلان أبدى دعماً كاملاً لمسار المفاوضات ودمج القوات الكردية ضمن مؤسسات الدولة السورية.
حل “قسد” والانتقال من المواجهة المسلحة إلى النضال السياسي
على مدى سنوات، خاضت تركيا مواجهة حادة ضد “وحدات حماية الشعب” (YPG) – المكون الرئيسي لـ “قسد” – باعتبارها امتداداً لـ “حزب العمال الكردستاني” المصنف كمنظمة إرهابية في تركيا وحلفائها الغربيين. وشنت أنقرة عمليات عسكرية عدة عبر الحدود للمطالبة بتفكيك هذه القوات ونزع سلاحها.
في المقابل، حظيت “قسد” بدعم قوي من الولايات المتحدة كشريك رئيسي في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وهو ما شكل نقطة خلاف حادة بين واشنطن وحليفتها في الناتو أنقرة.
غير أن المشهد شهد تحولاً جذرياً؛ إذ أعلنت إلهام أحمد أن “قسد” قُمت بحلها رسمياً، وانضمت وحداتها إلى صفوف الجيش السوري بموجب التفاهمات المبرمة مع دمشق. ووفقاً لأحمد، فإن هذا التطور ينقل الحركة الكردية من مربع المواجهة المسلحة إلى ميدان النضال السياسي.
وتركز الأهداف الكردية في المرحلة الراهنة على تحقيق الاعتراف الدستوري وضمان الحقوق اللغوية. وعلى الرغم من أن التعليم باللغة الكردية سيستمر في إطار النظام الجديد، إلا أنه لن يصل إلى مستوى الصفة الرسمية الكاملة التي كان يطالب بها ممثلو الأكراد.
مسار إلقاء السلاح وعودة المقاتلين الأتراك
أفادت إلهام أحمد بأن المواطنين الأتراك الذين انضموا إلى صفوف القوات الكردية لقتال تنظيم “داعش” سيشملهم مسار السلام الخاص بـ “حزب العمال الكردستاني” في تركيا، وسيكون بمقدورهم العودة إلى بلادهم فور الانتهاء من الترتيبات اللازمة.
ويرتبط هذا الملف بمسار السلام الداخلي الذي انطلق في تركيا عام 2024، وأثمر عن دعوة وجهها أوجلان من سجنه في فبراير/شباط 2025 يطالب فيها “حزب العمال الكردستاني” بإلقاء السلاح وتفكيك التنظيم، إنهاء لنزاع مسلح استمر منذ عام 1984 وأودى بحياة أكثر من 40 ألف شخص.
واستجابة لهذه الدعوة، أعلن الحزب حل نفسه رسمياً في مايو/أيار 2025، قبل أن يقر البرلمان التركي في أغسطس/آب تشريعاً ينظم عملية وضع السلاح وإعادة الدمج.

