تخوض عائلة تركية مكونة من سبعة أفراد معركة قانونية وإنسانية لحماية وجودها في سويسرا، بعد قرار السلطات السويسرية رفض طلبات لجوئها والسعي لترحيلها قسراً إلى تركيا، وسط تحذيرات حقوقية ومناشدات مدنية لوقف تنفيذ القرار.
مواجهة ميدانية في كانتون تسوريخ
شهد مركز “أوبرهالدن فينكنريد” لترحيل اللاجئين في كانتون تسوريخ السويسري تطورات ميدانية حادة، عقب تنفيذ الشرطة السويسرية عملية أمنية ضمّت نحو 20 عنصرًا في 17 أغسطس/آب لإجبار عائلة “أوزغون” التركية على المغادرة.
وخلال العملية، قُيِّدت أيدي الأم “ديلان أوزغون” وابنها الأكبر، ما أثار تجمهرًا من القاطنين في المركز الذين حاصروا دوريات الشرطة لمنع عملية الترحيل. وأكدت شرطة كانتون تسوريخ لاحقًا تعليق العملية مؤقتًا لاعتبارات تتصل بالسلامة ومراعاة مبدأ التناسب بعد إبداء السكان مقاومة للانتزاع القسري.
دافع الهروب وواقع الاندماج الاجتماعي
تعود جذور الأزمة إلى فرار الزوجين “ديلان” و”نهاد أوزغون” من تركيا قبل أكثر من أربعة أعوام، إثر تعرضهما لملاحقات قضائية وسياسية ناتجة عن نشاطهما في الحركة السياسية الكردية. ورغم استقرارهما في الأراضي السويسرية ورغبتهما في الحماية، رُفضت طلبات لجوئهما وطعونهم الاستئنافية بشكل نهائي وفق ما أوردته صحيفة “فوز” (WOZ) الأسبوعية السويسرية وموقع “بيانيت” (Bianet) الإخباري.
وعلى مدى أربعة أعوام من الإقامة، التحق أطفال العائلة الخمسة – ومن بينهم أربعة قاصرين – بالمدارس السويسرية لمدة تقارب ثلاث سنوات، حيث اندمجوا في المحيط الاجتماعي وبنوا شبكة من الصداقات. وتوضح الأم “ديلان” أن أطفالها فقدوا فرصة الاستمرار التعليمي في تركيا، مشيرة إلى الخوف الدائم الذي يعتريهم؛ إذ لا تتمكن كأم من النوم بسلام دون التفقد المستمر لأبنائها ليلاً.
سابقة “يالشين كايا” ومأزق “الإعادة القسرية”
تكتسب مخاوف العائلة أبعادًا ملموسة بالنظر إلى حالة سابقة شهدها المركز ذاته في مطلع أغسطس/آب، عندما جرى ترحيل المواطنة التركية “باهار يالشين كايا” مع طفليها، رغم تحذيرات محاميها من مخاطر الاعتقال فور وصولها.
وعقب وصولها إلى تركيا، احتجزتها السلطات الأمنية وصدر بحقها قرار سجن بتهمة “ترويج لمنظمة إرهابية” عبر منشورات في وسائل التواصل الاجتماعي. ونُقلت “يالشين كايا” إلى سجن باقركوي المخصص للنساء برفقة طفلها الرضيع البالغ من العمر 15 شهرًا، فيما فُصل طفلها الآخر البالغ من العمر خمس سنوات عنها.
وأعادت هذه الواقعة طرح تساؤلات حول مدى التزام سويسرا بمبدأ “عدم الإعادة القسرية” (Non-refoulement)، وهو عرف دولي يمنع إعادة الأفراد إلى بلدان يواجهون فيها خطرًا حقيقيًا بالاضطهاد أو التعذيب أو الانتهاكات الخطيرة. وفي مقابل هذه الانتقادات، تشدد الأمانة الدولة للمهاجرين في سويسرا على أن طلبات اللجوء تُقيَّم بشكل فردي، مؤكدة أن سجن الفرد بعد ترحيله لا يشكل دليلاً بذاته على تعرضه لملاحقة سياسية، مع الامتناع عن مناقشة الحالات الفردية بدواعي حماية الخصوصية.
السياق السياسي والقانوني في تركيا
تندرج هذه الملاحقات ضمن سياق أوسع؛ إذ تُكيّف السلطات التركية غالبًا التعبير عن التأييد للقضايا السياسية الكردية على أنه “ترويج إرهابي” لصالح حزب العمال الكردستاني المحظور، والمصنف كمنظمة إرهابية في تركيا وحلفائها الغربيين والذي بدأ تمردًا مسلحًا ضد الدولة عام 1984.
ووفقًا لمنظمة “هيومن رايتس ووتش”، أسفر التطبيق الواسع لقوانين مكافحة الإرهاب عن احتجاز وملاحقة الآلاف بتهم الاتصال بالحزب. واستمرت الملاحقات القضائية رغم إطلاق مبادرة سلام في أواخر عام 2024، تلاها دعوة زعيم الحزب السجين “عبد الله أوجلان” في فبراير/شباط 2025 لإلقاء السلاح وحل التنظيم، وهي الدعوة التي استجاب لها الحزب في مايو/أيار عبر سحب مقاتليه من الأراضي التركية.
وفي تطور قانوني لاحق خلال شهر أغسطس/آب، أقر البرلمان التركي قانونًا يتيح التعليق المشروط لبعض التحقيقات والمحاكمات والأحكام المرتبطة بجرائم حزب العمال الكردستاني. غير أن دخول هذا القانون حيز التنفيذ يظل مرهونًا بتقييم حكومي رسمي يثبت إنهاء التنظيم لنشاطه وتسليم سلاحه بالكامل. ويرى مدافعون عن حقوق الإنسان أن إنهاء الصراع المسلح يستوجب إصلاحات جذرية تضمن عدم ملاحقة النشاط السياسي السلمي للكرد.
تحركات المجتمع المدني
أمام هذه المعطيات، أطلق متضامنون مع عائلة “أوزغون” حملة توقيعات وعريضة إنسانية موجّهة إلى المسؤولين في كانتون تسوريخ، تطالب بإيقاف قرار الترحيل والسماح للعائلة بالإقامة لأسباب إنسانية تمس حق الأطفال في التعليم والاندماج والاستقرار الاجتماعي.

