كشفت السلطات التركية عن تقديم طلب رسمي إلى ألمانيا للحصول على مساعدة قضائية في إطار التحقيقات الجارية ضد جماعة “السليمانيين” الدينية، في خطوة تعكس توسع الحملة الأمنية والقضائية ضد الجماعة التي لم تعلن تأييدها لحزب العدالة والتنمية الحاكم برئاسة رجب طيب أردوغان.
وأعلن وزير العدل التركي، أكين غورليك، عن هذا الإجراء خلال لقاء صحفي جمعه بالصحفيين المكلفين بمتابعة أخباره في مجمع المحاكم بإسطنبول في العاشر من سبتمبر/أيلول عام 2026.
طلب مساعدة قضائية وتتبع للتحويلات المالية
أوضح وزير العدل التركي أن المحققين الأتراك يركزون جهودهم حالياً على تتبع التحويلات المالية الموجّهة إلى الخارج، مشيراً إلى أن أنقرة خاطبت السلطات الألمانية رسمياً لتقديم المساعدة القضائية في هذا الملف. وتدرج السلطات التركية القضية تحت المسمى الرسمي “تحقيق منظمة علي خان كوريش الإجرامية“، نسبة إلى زعيم الجماعة المسجون حالياً.
مسار التحقيقات والإجراءات القضائية في تركيا
بدأت الحملة القضائية ضد الجماعة في شهر أغسطس/آب بتدابير واسعة شملت إصدار مذكرات احتجاز بحق كوريش و48 شخصاً آخرين، بالإضافة إلى تنفيذ عمليات تفتيش ومداهمات شملت 17 ولاية تركية.
وعلى إثر تلك الإجراءات، أصدرت المحكمة المختصة قراراً بحبس كوريش و31 شخصاً آخرين على ذمة التحقيق في انتظار المحاكمة. ولم تتوقف الإجراءات عند هذا الحد، حيث وسع ممثلو التداعي العام نطاق التحقيقات لاحقاً ليقوموا بمصادرة وتحفظ على العديد من الشركات والجمعيات المرتبطة بالجماعة.
وفي مقابل ذلك، نفى وزير العدل أن تكون الحكومة تستهدف جماعة دينية بعينها، مؤكداً أن القضية تتعلق بتحقيق في جرائم مالية موجهة ضد قيادات الجماعة فقط.
امتداد الملف إلى ألمانيا
يمثل الإجراء التركي الأخير نقلاً لملف القضية إلى الساحة الألمانية، حيث تمتلك الجماعة إحدى أكبر شبكاتها التنظيمية خارج الأراضي التركية. وينشط أتباع الجماعة في ألمانيا تحت مظلة “جمعية المراكز الثقافية الإسلامية“ (VIKZ)، وهي منظمة دينية غير ربحية تأسست عام 1973 ويتواجد مقرها الرئيسي في مدينة كولونيا.
وقد تعرضت الجمعية لموجة من التدقيق والانتقادات في وسائل الإعلام المقربة من الحكومة التركية، لا سيما في أعقاب تدشين مجمع جديد لمقرها الرئيسي في كولونيا بتكلفة تبلغ 37.5 مليون يورو.
تمويل مشروع كولونيا والردود القانونية
أكدت جمعية المراكز الثقافية الإسلامية (VIKZ) في بيان صدر خلال هذا الشهر أن مشروع مقرها في كولونيا تم تمويله بالكامل عبر قروض من بنوك ألمانية وتبرعات وجهود تطوعية، مشددة على عدم تلقي أي أموال من تركيا.
ووصف القائمون على الجمعية التغطية الإعلامية التركية بأنها حملة تشويه مبنية على ادعاءات لا أساس لها من الصحة، ملوحين باتخاذ إجراءات قانونية ومقاضاة الأطراف المعنية في كل من تركيا وألمانيا.
الجذور التاريخية والبنية المؤسسية للجماعة
تعود الجذور التاريخية لجماعة “السليمانيين” إلى عشرينيات القرن الماضي، عندما بدأ العالم الإسلامي الشيخ سليمان حلمي طوناخان تعليم القرآن الكريم. وتطورت الجماعة عبر العقود لتشكل شبكة واسعة من المؤسسات، حيث تدير حالياً دورات لتعليم القرآن، وسكناً طلابياً، ومؤسسات خيرية، إلى جانب أنشطة تجارية واقتصادية ممتدة في تركيا ومختلف الدول الأوروبية.
الخلفية السياسية والقراءة التحليلية للسياق
تشير المعطيات إلى أن جماعة “السليمانيين” لم تبنِ تاريخياً أي علاقات وثيقة مع الرئيس رجب طيب أردوغان أو حزب العدالة والتنمية الحاكم، بل إنها قدمت في عدة مناسبات وانتخابات دعمها لأحزاب المعارضة التركية.
ويرى مراقبون أن هذه العملية الأمنية والقضائية المتصاعدة تحكمها أبعاد سياسية، وتصنف كـرسالة تحذيرية لباقي الجماعات والدعائم الدينية في البلاد، مفادها أن أي جماعة دينية قد تواجه ضغوطاً حكومية وملاحقات رسمية في حال تبنيها مواقف سياسية لا تحظى برضا السلطة الحاكمة.

