في تطور لافت داخل المشهد الإعلامي التركي، صعّدت صحيفة يني شفق، التابعة لمجموعة ألبيرق والمعروفة بقربها من الحكومة، من انتقاداتها لوزير الخزانة والمالية محمد شيمشك، مستهدفة بشكل مباشر البرنامج الاقتصادي الذي يتبناه منذ منتصف عام 2023.
الصحيفة اعتبرت في عنوانها الرئيسي أن “برنامج مكافحة التضخم قد فشل”، مستندة إلى فجوة واسعة بين الأهداف الرسمية المعلنة والنتائج الفعلية المتحققة على أرض الواقع.
فجوة الأهداف والنتائج: تضخم خارج السيطرة
وفق ما ورد في التقرير، فإن البرنامج الاقتصادي الذي أُعلن ضمن “الخطة متوسطة الأجل” كان يستهدف خفض التضخم تدريجياً ليصل إلى مستوى 8.5% بحلول عام 2026. غير أن التقديرات الحالية – حتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً – تشير إلى أن التضخم لن ينخفض عن حدود تقارب 29%، ما يعني وجود انحراف كبير يُقدّر بنحو 350% مقارنة بالهدف المعلن.
وترى الصحيفة أن هذا الفارق غير مسبوق تاريخياً، إذ نادراً ما شهدت أي دولة فجوة بهذا الحجم بين التوقعات والنتائج في ملف حساس مثل التضخم.
سياسة الفائدة المرتفعة: نتائج عكسية على الاقتصاد الحقيقي
يرتكز برنامج شيمشك على تشديد السياسة النقدية، حيث تم رفع أسعار الفائدة من مستويات تقارب 8.5% إلى حدود 50% خلال فترة قصيرة، مع الحفاظ عليها ضمن نطاق مرتفع لفترة ممتدة.
ورغم هذا التشدد، تشير البيانات إلى أن التضخم لم ينخفض بالوتيرة المتوقعة، حيث سجل نحو 64.77% في 2023، ثم تراجع إلى 44.38% في 2024، ثم انخفض إلى 30.89% في 2025، ومن المتوقع أن يتراوح بين 25% و30% خلال العام الجاري.
وترى الصحيفة أن هذه الأرقام تعكس فشل السياسة النقدية في تحقيق الهدف الأساسي، رغم تكلفتها المرتفعة على الاقتصاد.
تأثيرات مباشرة: ضغط على الإنتاج والاستثمار
تؤكد الانتقادات أن ارتفاع الفائدة أدى إلى نتائج سلبية واسعة، أبرزها: ارتفاع تكلفة القروض التجارية من نحو 15% إلى ما يقارب 70% في ذروتها، وتراجع الاستثمارات بسبب توجيه رؤوس الأموال نحو العوائد المصرفية، وانخفاض ربحية القطاع الصناعي، وإعلان آلاف الشركات حالة الإفلاس أو طلب الحماية القانونية، إلى جانب إغلاق أو تقليص نشاط العديد من المصانع.
كما انعكس هذا التباطؤ على الطلب الصناعي للطاقة، حيث شهدت أسعار الكهرباء في السوق الفورية انخفاضاً حاداً، ووصلت في بعض الفترات إلى مستويات قريبة من الصفر.
مسار التضخم: ذروة مرتفعة وتراجع بطيء
تشير البيانات إلى أن التضخم بلغ ذروته في مايو 2024 عند مستوى 75.45%، وهو من أعلى المعدلات في السنوات الأخيرة.
وتربط الصحيفة هذا الارتفاع بتصريحات شيمشك حول “تحرير سعر الصرف”، والتي اعتُبرت عاملاً إضافياً في زيادة الضغوط التضخمية.
العجز الجاري: تحسن مؤقت ثم عودة للارتفاع
شهد ميزان الحساب الجاري تحسناً ملحوظاً في 2024، حيث انخفض العجز من 45.4 مليار دولار في 2023 إلى نحو 10 مليارات دولار. غير أن هذا التحسن لم يستمر، إذ عاد العجز للارتفاع، حيث بلغ 25.2 مليار دولار في 2025، وسجل نحو 20 مليار دولار في الربع الأول من 2026 فقط.
وتشير التقديرات إلى احتمال تجاوز العجز 65 مليار دولار بنهاية العام، إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
تراجع الليرة: ضغوط مستمرة على سعر الصرف
خلال السنوات الثلاث الأخيرة، فقدت الليرة التركية جزءاً كبيراً من قيمتها، حيث ارتفع الدولار من 20 إلى 45 ليرة (زيادة 125%)، كما ارتفع اليورو من 21.5 إلى 52.75 ليرة (زيادة 145%).
وتنتقد الصحيفة غياب سياسات ضريبية فعالة للحد من المضاربات على العملات الأجنبية، معتبرة ذلك أحد أسباب استمرار تدهور العملة.
صراع داخل النهج الاقتصادي
تعكس انتقادات صحيفة يني شفق، التابعة لصهر أردوغان، وجود تباين داخل الدوائر القريبة من السلطة حول جدوى السياسات الاقتصادية الحالية. فبينما يدافع فريق عن ضرورة الاستمرار في النهج التقليدي القائم على التشديد النقدي لكبح التضخم، يرى آخرون أن هذه السياسات تُلحق ضرراً كبيراً بالاقتصاد الحقيقي دون تحقيق نتائج حاسمة.
كما تأتي هذه التطورات في سياق إقليمي ودولي معقد، حيث تؤثر التوترات الجيوسياسية، مثل أزمة مضيق هرمز، على أسعار الطاقة والتضخم، ما يزيد من صعوبة تحقيق الاستقرار الاقتصادي.

